قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “القات.. تآكل الروح”

برلماني يمني
هذه القراءة انجزت بتقنيات الذكاء الصناعي، ونص “تاكل الروح” هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد
حين تتقن السلطة التخفي
لا يضع النص القات في خانة العادة، بل في مقام القوة الخفيّة التي تُحكم قبضتها بلا ضجيج. هنا لا يُمارَس القهر بالعنف، بل بالألفة؛ ولا يُفرض الاستسلام بالمنع، بل بالتطبيع، حتى تعيد الجماعة تشكيل إرادة الفرد على مهل، وتدفعه لأن يصالح ما كان يرفضه، وأن يسكن إلى ما كان يمقته.
يكشف النص كيف تُدار المجتمعات المتعبة حين تفقد قدرتها على المواجهة: تُستبدل الصدمة بالطقس، والفعل بالجلسة، والتغيير بحميمية مُخدَّرة. هكذا تتحوّل العادة إلى نظام صامت، وتغدو الألفة تعويضًا وهميًا عن الغياب الفادح للفعل والمعنى.
السياسة هنا لا تتكلم، بل تعمل. تتسرّب عبر القات بوصفه آلية سيطرة ناعمة، تُليّن الزمن، وتُرهق الإرادة، وتعيد إنتاج الخضوع في صورة رضا. فالترويض الجمعي ليس مصادفة اجتماعية، بل تدريب طويل على القبول بدل المقاومة، وعلى التكيّف بدل الفعل، وعلى الطقس بدل التغيير.
أما «الاستسلام البطيء» الذي يرسمه الكاتب، فليس ضعفًا شخصيًا، بل مناخًا عامًا؛ تطبيعًا مع واقع مختل، ومصالحة قسرية مع ما هو قائم، وإفراغًا للفعل العام من نبضه. في هذا الأفق، لا يُقرأ القات كنبات، بل كجهاز تهدئة جماعي، يؤجّل الأسئلة، ويُبقي السكون حيًّا.
قراءة الكاتب من خلال النص
اعتراف بلا أقنعة
يظهر أحمد سيف حاشد هنا لا بوصفه واعظًا، بل شاهدًا على ما يحدث حين تُستنزف الروح. لا يكتب من علٍ، بل من الداخل، من جسد التجربة نفسها، معترفًا بهزيمة صغيرة بلا تبرير، وبانكسار لا يطلب الشفقة ولا يتزيّن بالبطولة.
يميّز الكاتب، بصفاء مؤلم، بين حاجته إلى الدفء الإنساني، وبين الثمن الذي يدفعه كي لا يكون وحيدًا. لا يدافع عن القات، لكنه يسميه كما هو: قربانًا اجتماعيًا، مرّ الطعم، يُقدَّم طلبًا للألفة. وفي هذا الاعتراف تتجلى شجاعة أخلاقية نادرة، وصدق لا يحتمي بالإنكار.
المفارقة المركزية
اختيار الوجوه رغم الكلفة
ذروة النص في مفارقته: القات مرفوض، لكن اللقاء محبوب. والكاتب، في لحظة إنسانية صافية، يختار الوجوه التي تمنحه الدفء، رغم ما تتركه المرارة في الروح. لا يبرّئ التجربة ولا يدينها، بل يضعها عارية أمام القارئ، ويحوّل الاعتراف إلى معرفة، لا إلى تبرير.
خلاصة مكثفة
• نص اعترافي عن التآكل الهادئ لا السقوط المدوي
• القات استعارة اجتماعية–سياسية للتخدير والترويض
• السياسة فاعلة في العمق، صامتة في السطح
• الكاتب ناقد من الداخل، لا خطيب ولا متعالٍ
• جمال النص في صدقه، ومفارقته، وهدوئه القاس
نص “تآكل الروح”
أحمد سيف حاشد
رافقت مرارةُ القات بداياتي معه، في مرحلةٍ ظننتُ فيها أنّ التجريب لا يزال ممكنًا؛ فكان طعمه في فمي كطعم من يمضغ خيبته، وتنشب شدّتُه أظفارَها في دماغٍ يمقته. وفي أفضل الأحوال، ما كنتُ أستسيغه إلا بعد أن أقضي شطرًا من وقت المقيل في مغالبة مرارته، أتجرّعه على مضضٍ وكره، ولا أتكيّف معه إلا بعد أن يبلغ التخدير فمي من بدء قيلتي. ومن هنا يبدأ الاستسلام البطيء.
لعلَّ ما أتحمّله من عناءٍ في تعاطي القات ليس سوى ضريبةِ دافعٍ اجتماعيٍّ قاهر نعيشه جميعًا، أو تذكرةِ عبورٍ نرجو بها الوصول إلى فيضٍ من محبّةٍ وألفة.
لم يكن القات آنذاك مجرّد عادةٍ عابرة، بل تحول إلى جزء من كينونةٍ اجتماعيةٍ فرضت عليَّ مجاراة الآخرين؛ قبل أن ينتهي بي المطاف — ويا للمفارقة — إلى مجاراة نفسي. تهاوى صمودي تحت وطأة ترويضٍ جمعيٍّ طويل، نال من إرادتي حتى استسلمت لتآكلٍ أخذ مني مأخذَه.
وهكذا صرتُ أتعامل مع «التخزين» بوصفه وسيلةً لا غاية، وجسرًا للقاءٍ لا هدفًا قائمًا بذاته؛ إنّه قربانٌ اجتماعيٌّ أقدّمه تودّدًا لمن أبتغي بهم وصالًا وأُنسًا. أستعيض عن مرارة القات بحلاوة اللقاء، وأستمدّ سعادتي من حضور الأحبّة الذين أودّ رؤيتهم، ومن أولئك الذين أنشد التعرّف إليهم، فأجد في مجالستهم دفئًا وراحة. فجوهر متعتي ليس فيما أمضغه، بل في الوجوه التي أُحبّها، والقلوب التي تبتهج بها روحي وُدًّا وأُلفةً.




