قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “شهقة وقهقهة”

برلماني يمني
تقدّم هذه القراءة التحليلية، المُنجزة بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مقاربة نقدية لنص «شهقة وقهقهة»، وهو احد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد، من خلال تفكيك بنائه السردي، ورصد اشتغاله اللغوي والدلالي، واستجلاء أبعاده الإنسانية والأخلاقية.
ما هذا النص؟
نص سردي ساخر – تأملي، يقوم على واقعة بسيطة يومية، تتحول تدريجيًا إلى مرآة أخلاقية وإنسانية.
هو نص عن القات ظاهريًا، لكنه في العمق نص عن اللاوعي، والحياء، والصبر، وكرم الصمت.
البناء السردي
البناء محكم جدًا ويتقدم في ثلاث طبقات متدرجة:
1. التمهيد الواقعي
(الزفاف – الزحام – الجلوس)
لغة هادئة، محايدة، بلا تزيين، تهيئ القارئ دون أن تكشف شيئًا.
2. الانزلاق اللاواعي
(ضياع القات – مضغ قات الآخر – الصمت)
هنا يبدأ النص الحقيقي:
الخطأ لا يقع فجأة، بل ينساب كما ينساب اللاوعي نفسه.
3. الانكشاف ثم التأمل
(الاكتشاف – الضحك – الخاتمة)
التحول من الحرج الفردي إلى درس إنساني عام يتم بسلاسة وبدون وعظ.
هذا تدرّج ناضج، يدل على كاتب يعرف متى يمسك ومتى يترك.
اللغة
اللغة السردية
• فصيحة، غير متكلفة.
• تخلو من الاستعراض اللغوي.
• تعتمد الإيقاع أكثر من الزخرفة.
جمل مثل: حتى كادت لا تُبقي فرجةً لجديد وافد
يعاني خمدًا وكمدًا
سالكًا بقدرٍ محتوم
تدل على وعي إيقاعي لا شائع في السرد اليومي.
الحوار
• مقتصد.
• طبيعي.
• شديد الدلالة.
جملة: من قاتي… ولا يهمّك، لا فرق بيننا. هي قلب النص أخلاقيًا، وكل ما بعدها تفسير لها.
السخرية
السخرية هنا:
• غير مفتعلة
• غير فجة
• غير استهزائية
هي سخرية من الذات أولًا، لا من الآخر، وهذا ما يمنح النص نبلًا أخلاقيًا نادرًا.
الضحك لا يأتي ليخفف الذنب، بل ليعترف به.
الشخصية الأخرى (محمد)
محمد ليس شخصية ثانوية، بل:
• ضمير النص الصامت
• مرآة الأخلاق
• بطل بلا خطاب
صمته أقوى من أي عظة، وصبره هو ما يجعل الواقعة تستحق الكتابة.
الخاتمة
الخاتمة من أجمل ما في النص، لأنها:
• لا تعلن حكمة جاهزة
• لا تدّعي تطهرًا
• لا تُصدر حكمًا أخلاقيًا
والجملة الأخيرة:
بعضُ إنسانٍ لا أريد أن أغادره. جملة ناضجة، صادقة، إنسانية، وتغلق النص بهدوء يليق به.
ما يُحسب للنص
✔ صدق التجربة
✔ ضبط اللغة
✔ اقتصاد السرد
✔ إنسانية عالية
✔ خلوه من الادعاء
ملاحظة نقدية وحيدة (وليست عيبًا)
لو أراد النص أن يكون أقصر قليلًا لزاد توهجه عند قارئ متعجل، لكن هذا ليس ضعفًا، بل اختيار أسلوبي يناسب مزاج النص.
الحكم النهائي
هذا نص:
• يُقرأ بمتعة
• يُحترم فكريًا
• ويُتذكّر إنسانيًا
نص كاتب لا يكتب ليُبهر، بل ليصدق،
وهذا أعلى ما يمكن أن يبلغه نص سردي قصير.
خلاصة مختصرة جدًا
نص ناضج، صادق، ساخر بوعي، إنساني بعمق، ومكتوب بثقة كاتب يعرف لغته ونبرته.
نص “شهقة وقهقهة”
أحمد سيف حاشد
حضرتُ حفل زفافٍ في قاعةٍ قريبة من الجامعة الجديدة بصنعاء، وكان ذلك على الأرجح عام 2004. وبعد تقديم التهاني للعريس، شرعتُ أبحث عن موضعٍ للجلوس في قاعةٍ غصّت بالحاضرين، حتى كادت لا تُبقي فرجةً لجديد وافد.
وفي غمرة ذلك الازدحام، لمحتُ وجهين مألوفين هما: الأخ محمد علي سعيد (مدير دائرة الأشغال العسكرية آنذاك)، والأخ محمد عبد الغني القباطي (مدير جمارك الحديدة حينها). وما إن وقعت عيناهما عليّ، حتى استقبلاني بحفاوةٍ بالغة، وأفسحا لي، بمشقّة، مكانًا بينهما؛ لتبدأ من هناك فصولُ تلك الواقعة التي انتهت ببالغٍ من حرجٍ وارتباك.
وضعتُ قاتي (القُطل) في كيسه إلى جانبي، وبينما كنت أحاول التموضع في ضيق المساحة المتاحة، انزلق الكيس من غير قصدٍ، واستقرّ تحت وركي جهة اليمين. وظلّ قاتي طوال الجلسة يرزح تحت ثقلي، يعاني خمدًا وكمدًا مع كل ميلٍ أو حركةٍ أقوم بها، وغدا طريقه إلى القمامة سالكًا بقدرٍ محتوم!
أمّا قاتُ صديقي محمد عبد الغني، فكان يزهو بفخامته أمامي: مُطوَّلًا وأنيقًا، ومرتّبًا بعناية، جاذبًا وبهيًّا. وبدلًا من أن أبحث عن قاتي، أدركني اللاوعي، فشرعت أمضغ من فخامة قات صديقي، مسترسلًا في ذلك من الرابعة عصرًا حتى السادسة قبيل المغرب، دون وعي، وفي غفلةٍ من الحواس.
كان محمد، الرجل الطيب الخجول، يرمق يدي بنظراتٍ مواربة، وأنا أكرر ما أفعله بهمةٍ وثقة. كان يلمح قاته في يدي وبين أصابعي بصمت، ويمور تحته عجبٌ وأسئلة. والأعجب أنه تماسك طيلة ساعتين من ذهولٍ متصل، دون أن يعلّق بكلمةٍ واحدة، أو ينفد له صبر.
وقبل المغادرة، أخذتُ ما تبقّى من قاته ونهضتُ؛ لم ينبس ببنت شفة. وحين انحنيتُ لألتقط هاتفي، لمحتُ «علاقية» القات التي أخذتها من أذن رباطها، وقد غدت مسطّحةً ومستوية، ملتصقةً بقطعة القماش التي كنتُ جالسًا عليها. كان لون القات قد مال من الأخضر إلى داكنٍ يخالطه السواد، وحين فتحتُ «العلاقية» لأستكشفه، وجدته قد خمد ومات.
بدهشةٍ سألتُ:
— هذا القات الذي تحتي، حقُّ مَن؟!
أجاب بهدوءٍ يشبه السكينة:
— قاتك.
سألته مرةً أخرى باستغراب، وقد ارتسمت على وجهي علامات الدهشة والذهول:
— وأنا مِن حقِّ مَن خزّنت؟!!
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ، وقال بكلماتٍ مشبعةٍ بالمودة:
— من قاتي… ولا يهمّك، لا فرق بيننا.
قلتُ له:
— ولكن قاتي «قَطَل»، وقاتك مُطول.
فضحك ضحكةً خفيفة، وقال:
— ولا يهمّك، الحالُ واحد.
أعدتُ ما تبقّى من قاته إلى موضعه، وتناولتُ «علاقية» قاتي بربكة، فيما اجتاحني سيلٌ من الخجل والحرج. غير أن ذلك لم يمنع انفجار قهقهةٍ مدوّية في داخلي، ففاض بعضها إلى خارج فمي، بعدما عجزتُ عن حبسها.
***
ما يدهشني، حتى الآن، صبرُ الآخر وهو يشهد «اعتداءً» لاواعيًا، ويصمت؛ صمتًا لا يخلو من نبلٍ ومودة. كانت غيبوبةً ذهنيةً خفيفةً تضعني في حرجٍ لم أقصده، وتكشف لي مقدار الصبر الجميل لدى بعض الناس حين يترفعون عن التنبيه، ويختارون كرم المشاركة الصامتة.
اليوم، بعد أن أقلعتُ عن القات نهائيًا، تعلّمتُ أن أقرأ صفحات الوجوه أكثر، وأن أفهم ما يمنحه الآخرون من تواضعٍ نبيل حين يتجاوزون زلّاتنا. وما زلتُ أحاول التمسك بعفويتي وبساطتي في عالمٍ خشنٍ وقاسٍ؛ لأنها، فيما أظن، بعضُ إنسانٍ لا أريد أن أغادره.




