مذكرات

 السلسلة التاسعة.. خجول ومصاب بالرهاب.. الحلقات 1 – 7 أحمد سيف حاشد

مذكراتي .. من تفاصيل حياتي ..

 السلسلة التاسعة

الحلقات 1 – 7

خجول ومصاب بالرهاب

أحمد سيف حاشد

(1)

اغتراب وخجل واضطراب

كنت خجولا جدا، وانطوائي إلى حد بعيد.. أعاني من الرُهاب الاجتماعي على نحو فضيع ومرعب.. هكذا عرفت نفسي في مستهل وعيي بها.. صحيح أنني لم أخرج في ولادتي الأولى صموتا، بل خرجت بصرخة ولادة أستطيع تخيلها وهي تشق حجرة الولادة في بيتنا القديم، وصحيح أيضا إنني كنت شقيّا في طفولتي، وربما في بعض مراحل حياتي، إلا أن هذا لم ينل من خجلي وانطوائي البالغ الذي كنت أشعر به ثقيلا جدا على حياتي.. لطالما كوابيس رهابي استولت على سكينتي، وأقلقتني الساعات الطوال في ليلي ونهاري، ولازمت حضوري ولاحقت فراري، وخجلي الذي كان أكثر ثقلا وعبئا وإعاقة لتطلعاتي..

كنت مُستغرقا بإحساس كثيف أنني معاقا بخجلي، وأنني لا أصلح لشيء في هذه الحياة، وأن مستقبل حياتي سيكون مضروبا بتلك الإعاقة التي لا أستطيع تجاوزها أو التحرر منها، وقد صارت بعض من قدري الذي لابد منه..

أحسست مع كل اخفاق ينالني أن مردُّه عاهتي، ولطالما شعرتُ أن وجودي فائضا عن الحاجة، وأن لا حكمة من وجود فائض عن لازمه، وأن الوجود في بعضه كان عابثا ومستهترا بالحاجة، وأنني صرت أعيش غيابي وغربتي في هذه الحياة الصاخبة التي لا تُشبه انطوائي وخجلي ورهابي، ولا تحتاج لوجودي الفائض والممل.

وعندما قرأت لاحقا رواية “أحدب نوتردام” للروائي والأديب الفرنسي فكتور هيجو، أحسست إن تلك الحدبة التي يحملها بطل الرواية على ظهره، لطالما حملتها أنا على ظهري.. ذكّرتني تلك الحدبة بخجلي ورهابي اللذان أثقلا كاهلي، ومنعاني من فرص عديدة، وحرماني من أشياء كثيرة، ولطالما تم مصادرتي ومصادرة حقوقي رغم وجودي الذي تبدّى لي أنه بات عبئا على هذا الوجود.

صحيح أنني كنت أقدم على أفعال في بعض الأحيان تبدو جريئة ومتمرّدة وشقيّة، و لكن في معظم الأحيان كان يرافقني خجلي كظلّي، وأحيانا يجتاحني طغيانه الكاسح، ولا يترك لي منفسا أو حيزا أتزحزح إليه.. تتهشم عظامي في المضائق التي لا يتسلل إليها نور أو متسع.. لطالما أهدر هذا الانطواء والخجل كثيرا من الفرص في حياتي التي أرهقتها مسارات الضياع التي وجدت نفسي أسيرا لها، أو عرضتني للمخاطر والصعوبات الكثار، أو داهمتني بالمواقف المحرجة التي لا عد لها ولا حصر، وأحيانا ولّدت لدي شعورا كثيفا بالفشل والخيبة الكبيرة، والنقص الذي يبلغ بي مرحلة الندم أو العدم.

كان الإحساس بالرهاب والخجل الكبير يشعرني أن القدر قد أصابني بالاختلال في النفس والاعتلال في التكوين الذي جاء ناقصا وغير سوي.. أشعر بعاهة تجتاحني ولا تفارقني ولا يفارقني الشعور بها.. عاهة تجعلني أعتب وانتفض في داخلي على القدر الذي أنتقص منّي أو كان سبب لهذا الاعتلال والخلل الضارب في عمق الروح..

كانوا يقولون أن الملائكة لهم دور في تخليق الجنين وتسويته في بطن أمه، وكنت وأنا صغيرا أسأل أمي:

  • لماذا فلانة مخرومة الشفاه؟!

فتجيب: إن الملائكة نسوا اتمام هذا الخُرم .. ثم تزجرني وتمنعني من تنقيصها، حتى لا يأتي لي أبناء مخرومين الشفاة مثلها، عندما أشب وأتزوج ويكون لي في الحياة بنين..

ثم تجوس في نفسي الأسئلة، وأشعر أنني مملوء بالنواقص والاختلال.. ألوم في قرارة نفسي الملائكة الذين أصاب اهمالهم كثيرا منِّي.. دماغي، وجهازي العصبي، وعيوني، وما خجلي و انطوائي وشعوري بالرُهاب والحرج، إلا إهمال وتقصير كبير منهم، يستحق الحزن والعتب، وأكثر من هذا إن تأتَّى..

عندما كبرتُ واكتسبت معرفة أكثر عن الوجود، وعن الواقع البشري والسياسي الذي نعيشه؛ اكتشفت كثير من أوجه الاختلال والاعتلال الأكثر وبالا وجوهرية على حياة الشعوب والمجتمعات.. أكتشفت أن العاهات الحقيقية هم الطغاة والمستبدين والفاسدين، وأرباب الحروب وتجّارها، وأيقنت أكثر أن هؤلاء المسخ هم العبء على هذه الحياة وعلى الإنسانية وعلى هذا الوجود المُثقل بهم.

***

(2)

بول وصلاة ورهاب يشبه الانتحار

كان رهابي يخرس صوتي ويئده ويهيل عليه التراب.. يمزقه ويشتته حتى يتلاشى كالهلام.. يخنقه بقبضة من حديد قبل أن يصعد إلى فمي.. يبتلع لساني من جذرها المغروس في حنجرتي الملجومة بالخجل والرهاب.. طغيان يمارس سلطته بفجاجة على حياتي التي أثقلتني بمعاناتها..

كنتُ لازلتُ صغيرا أو حديث سن، فيما رهابي وخجلي صارا أكبر منّي، بل أضعاف وزني وسنين عمري العجاف.. مسحوقا أنا بخجلي ورهابي بإصرار لا يكل ولا يمل، وبتكرار لا يعرف الوهن.. خيبة ومرارة تجتاحني وأنا أقع في كل مرّة فريسة في شباكها لا أقوى على المقاومة..

لطالما عشت مأسورا بانطوائي وبالحياء المطبق بكلتي يديه على فمي المكتوم بعازل الصوت الذي يمنعني أن أطلب حاجة أو نجاة أو استغاثة.. يستطيع المرء أن يتصور مدى خجلي بصورة من يؤثر هلاكه على النطق بكلمة لا يزيد طولها عن الحرفين “قف”..

كيف لشخص أن يخجل من صوته ورفقته ويرتكب مغامرة تشبه الحمق الكبير؟! يؤثر احتمالية الخطر على أن يسمع الناس صوته؟! كيف لأحد بسبب حياؤه وخجله وما يتملكه من رهاب أن يقفز من السيارة التي تقله وهي مسرعة كالعاصفة دون أن يطلب من صاحبها الوقوف أو النزول.. إنه رهاب يشبه الانتحار..

***

لطالما خجلت من صوتي وأنا صغير.. حتى عندما وصل إلينا مسجلات تسجيل الصوت لم يكن يطربني صوتي، بل ربما عتبتُ يوما على رب هذا الصوت.. ربما أوغلت في التمرد في لحظات انفعال وانفلات.. فلت من يدي عقاله وزمامه حتى بلغ أطراف المدى..

أقاوم الإكراه بكل وجوهه وسلطانه وإرغاماته، ولكن ينحرف أحيانا تمردي حتى يبلغ ما هو قصي وبعيد.. أذكر يوما صفعني أبي بالحذاء مرتين وثلاث لمجرد أنني تأخرت في إحضار ماء وضوء صلاة المغرب لأحد أقاربنا رحمة الله عليه، وبانفعال وحماقة بُلت في الوعاء قبل أن أصب فوقه الماء، وأعطيته الرجل ليتوضأ، فيما عيوني كانت غارقة في دموعها وهي تكابر..

هدأت نفسي وانفعالي وربما خالطت دموعي ابتسامة ما حالما شاهدته يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ومحيّاه.. لقد أصاب حمقي من كان بريئا من صفعي بالحذاء، حتى وإن استشعرت حينها إنه بعض سبب يستحق العقاب..

المفارقة كبيرة بين من يتجرّأ على فعل هذا وفي مقام أخر يخجل من أن يسمع الناس صوته.. مفارقات عجيبة أحيانا تجمع ما لا يجتمع.. ربما حالي في بعض منه يشبه في أيامنا هذه من قاوم سبعة عشر قدرا فيما يرتعب ويرتعد من كلمة أو منشور في وسائل التواصل الاجتماعي..

 لن يحدث هذا إلا لوجود عور وخلل في دماغ وكينونة المدّعي، وأساس من استبداد المخاوف الكبيرة، والحيلولة دون وجود انكشاف عن أخطاء وخطايا جسام من فساد وانتهاك، وافتقاد ثقة بألف ضعف مما كنتُ أعاني في صغري وحداثة سني.. هكذا بدت لي الحياة تعج بالنظائر والعجائب، وحافلة بالتناقضات والمفارقات والمخاوف..

***

كان عمري يومها أقل من خمسة عشر سنة على الأرجح.. توقف أبو شنب بسيارته “اللاندروفر” عندما أشرت له بالوقوف والسماح لي بالصعود إلى سيارته، فيما كنا نسميه “تعبيره”.. كان أبو شنب الشعبي رجلا طيبا جدا ومعتادا على تعبير الطلاب الذين لا يملكون مالا، دون أن يأخذ منهم أجرة نقل، ولا سيما إن وجدك راجلا في الطريق وترجوه خجلا بإشارة من يدك أن يوصّلك..

كان السائق عائدا إلى منطقة “ضوكة”، فيما كنت أنا قاصدا “شعب الأعلى”، مجفلا إلى قريتي في القبيطة.. كانت السيارة مزدحمة بالركاب.. وقف لي السائق بسيارته وتسلقت على حدائدها، و ظفرت بمكان صغير في مؤخرتها.. وبعد قليل تفاجأت إن السيارة متجهة إلى غير وجهتي..

كنت أظن وجود شخص أو أكثر ممن تقلهم السيارة سيطلب من السائق التوقف للنزول منها، لعل وجهتهم تماثل وجهتي، غير أن الخيبة داهمتني، وأنا اكتشف أن الجميع على غير الاتجاه الذي أقصده..

 الجميع متجه إلى “ضوكه”.. وبسبب خجلي وما يتملكني من رهاب، لم أتجاسر على أن أصرخ أو حتى أطلب الوقوف للنزول من السيارة التي تقلني.. كانت السيارة تسير بسرعة في وجهتها، وتبتلع المسافات بنهم وشراهة، فيما أنا آثرت القفز منها على طلب إيقافها.. كاد أن يقول الناس عنّي “ومن الخجل ما قتل”.

قفزت من السيارة.. ارتطم جسدي على الأرض.. خلت جسدي في أول وهلة قد تطاير كالزجاج.. أرتطم ذقني على الأرض بقوة.. اصطكت أسناني واحتدمت ببعضها.. أرتطم الفكين فوق بعض حتى فقدت التميز بين علوه وسافلة.. أحسست أن رأسي تفجر وتطاير كشظايا قنبلة..

 شاهدت شررا قادحا من عيوني يخر في كل اتجاه.. شعرت أن الارتطام قد صيرني حطاما متطايرا لا يُجمع ولا يجتمع؛ فيما كان ركاب السيارة يصرخون وقد شاهدوا بغتة وقوع أحد ركابها منها دون أن يعلموا أنني فعلتها بمحض إرادة سببها الرهاب والخجل.. أوقف السائق السيارة على إثر صراخ الركاب ليرى ما الذي حدث..؟

تعددت الإصابات في جسمي.. دم يهر من سحجات وخدوش متفرقة في جسدي.. تهتُّك بعض من قميصي، وسروالي صار مغبر متسخ.. الغبار والدخان كان واضحا وكأنني خرجتُ من مدخنة السيارة.. دم يهر من الخدوش، ويسيل بعضه من أسفل الذقن..

نزل السائق من كبينة السيارة ليرى ما حدث، فيما أنا غالبت وقع الارتطام وشرر الألم، ودفعني الحرج والخجل الأشد أن استجمع قواي، ونهضت بمكابرة لا يعرفها من هو حديث السن لأنقل لمن كان في السيارة التي وقفت أنني معافا وعلى ما يرام، فيما السائق بدا في سعادة الناجي، وكأنه هو الناجي لا أنا.. كانت مكابرتي ونهوضي السريع بدافع الخجل قوية وغالبة، ودون أن أتفوه ببنت شفة.. بديت في شكل من يتحمل مسؤولية ما حدث كاملا دون نقصان..

وبعد مشقة ومغالبة للألم وصلت إلى بيتنا في شرار، وأول ما شاهدت على المرآة كان ذقني الجريح.. رأيت أسفل الذقن جانباً زائداً وجانباً ناقصاً في غير اتساق.. أختل النسق والاستواء.. لا زال هذا الاختلال والعور ملحوظا إلى اليوم، ويستطيع أن يلمحه من يتفحصه بالنظر..

اليوم كبرنا وصرنا والوطن نصرخ بكل صوت.. السيارة التي تقلنا بلا كابح أو فرامل.. سيارة يعترك على مقودها من لا يجيد فنا أو قيادة.. مجانين حرب لا يجيدون حتى حساب الربح من الخسارة.. السيارة تمرق بأقصى سرعة وجنون.. أستحال علينا حتى القفز منها.. باتت تهرول نحو المنحدر.. بات مصيرنا والوطن مجهولا ومرعب..

وأختتم هنا بالتذكير أن للصمت ربما أيضا معنى وصوت أجل وأكبر من ذاك الضجيج الذي نسمعه.. وإن أستبدت بنا مخاوفنا حينا، وصار صمتنا أكبر من الضجيج، فربما أيضا لا يخلو من حكمة وعبرة وبصيرة، وما نحتاجه هو عالم ومحيط يفهمه، وقد قالها شمس التبريزي يوما أن للصمت أيضا صوت ولكن بحاجة إلى روح تفهمه.‏

***

 

 (3)

اجتماع الجوع والخجل!

كنّا في أيامنا نعيش الجوع، ونراغم أقدارنا، ونستطيع أن ننتزع الحياة من مخالب الموت جوعا، أما اليوم فشعب يموت كل يوم، وعليه تكالبت كل القذارات والمافيات والنفايات.. الموت عبثي وباذخ في عالم يعترشه الطغاة والمتخمون والتافهون.. عالم تواطأ وتمالا على قتلنا بحرب توحشت إلى أقصى مدى، ورعاة من جهنم يرفضون وقفها أو أن تضع أوزارها، وحصار غشوم يطبق بكلي يديه ويضغط بكل قواه على أفواه من فلت من الموت أو بقي منّا على قيد الحياة.. حرب صارت مربحة وتغرق أصحابها ثراء ووفرة لمن يحوّلون دماءنا وجوعنا ومجاعاتنا ومآسينا العراض إلى أرصدة..

***

جعتُ كثيرا.. جالدت الفاقة والحاجة والعوَز.. عانيتُ من الهزال والضعف والضنك المُنهك للجسد والروح.. عشت سنوات طوال سوء التغذية، و“فقر الدم”، ومشكلات في الغدة الدرقية، وتورّمات مرضية في القدمين، فضلا عن الأميبيا والجيارديا، ونوبات الحمى التي كانت تداهمني بين فترة وأخرى..

عندما تعتريني الحمى كان جسدي يستلذ ويستمتع بالبقاء تحت أشعة الشمس فترة أطول، وأتمنى أن تشتد حرارتها، ثم ما أن أفرغ منها، اكتشف أن الحمى تزداد وتشتد.. تستقوي وتستأسد على جسدي المنهك والهزيل.. أما ما يطلقون عليها في قريتنا “شمس الميات” التي تودعنا باحمرار وبهوت، وهي تذوي نحو الغروب؛ فكانت تذكّرني بسوء صحتي المتدهورة، وأخواتي الراحلات نور وسامية..

في مرحلة إعدادية القسم الداخلي بـ “طور الباحة” كانت وجبات القسم المقررة لا تكفيني أو لا تشبع جوعي إلا في حده الأدنى لأستمر في حياة ضنكة ومنهكة، نقضي جلّها في صراع مرير، ورغبة مستميته من أجل استمرار البقاء بمعاناة ومشقة بالغة..

كانت أمي تواسيني ببعض النقود التي تجمعها لي بصعوبة ومحال، لتخفف عن كاهلي معاناة الجوع، وتحملني على البقاء والحياة من أجلي وأجلها، ومستقبل كان لا يزال غامضا ومجهولا..

وفي ثانوية القسم الداخلي في مدرسة “البروليتاريا” كان طلبة القسم الداخلي كثيرون، وكانت طوابير العشاء والغداء طويلة، وكان أحيانا ينفذ العشاء قبل أن أصل إليه، وأحيانا أدرك القليل منه، وقد أوشك على الانتهاء..

كنت مسكونا بالخجل والحياء الذي يمنعاني من المزاحمة، بل وأخلاقي أيضا كانت تمنعني تخطّي من هم في الطابور قبلي مهما أشتد عليّ الجوع أو شعرتُ أنني لن أصل إلى وجبتي المخصصة، فيما كثيرون من الذين بعدي في الطابور يتخطونني بجرأة وصفاقة لأجد نفسي شيئا فشيئا آخر الطابور دون عشاء.. كنت أصل إلى قرب نافذة الاستحقاق، فأتفاجأ إن العشاء قد نفذ، وربما عند حسن الحظ أظفر بالقليل من القليل..

أحيانا وبسبب خجلي كنت أنام دون عشاء، أو أذهب أنا وصديقي محمد عبد الملك حسين إلى أشجار “الديمن” التي تسيّج جانبا من محيط المدرسة، لنقطف بعض ثمارها التي لم تنضج بعد، أو لازالت بعيدة عن النضوج.. كان الجوع أحيانا يضيِّق علينا، وكنا نتجه نحوها مضطرين، ولم نسمح لها بسبب جوعنا أن تبلغ ثمارها النضوج.. كان جوعنا أحد من المدية، وأسبق في القطاف، فيما هي تنشب بحّتها الخانقة، وأظافرها المحتجة في حناجرنا المحاصرة بالجوع.. لقد فقدت عون أمي، بسبب البعد وطول الغياب..

أحيانا كنت أذهب مع آخرين متسللا تحت جناح الليل إلى المزرعة البعيدة لأحصل على بعض حفن السمسم ونعرّج أحيانا على أشجار الليمون، لنقطف بعض حباتها، لنأكلها بقشرها، أو نستخدمها على وجباتنا لتحسينها وتحسين مذاق الفاصوليا المطبوخة على نحو رديء وسيء..

***

حللتُ ضيفا في إحدى العطل السنوية عند قريب لنا في عدن.. أظن أن نزولي إلى عدن يومها كان لعلاج مشكلة في الغدة الدرقية.. طبيب ألماني في مستشفى النصر شخّص حالتي، ولزمت فراش المستشفى فترة لم أعد أتذكر طولها، ربما كانت بحدود الأسبوعين على الأرجح..

غذاء المستشفى الذي كان يؤتى به إليّ متنوع وشهي وصحّي، ليس فيه طابور أو متابعة أو خجل.. كانت تأتيني الوجبات إلى الطاولة جوار سريري في الوقت والميعاد المحدد دون تأخير.. وفي السرير جواري توجد أم وطفلها من يافع، كانت جميلة وطيبة وتعاملني كأم وبعاطفة تملئ فراغي، والممرضات هناك كنّ على درجة كبيرة من الاهتمام والمسؤولية، والطبيب الألماني المختص أكثر اهتماما ووعيا بمسؤوليته.. سلام الله على الأطباء الألمان الذين كانوا شديدين العناية والحضور في كثير من التفاصيل على هذا المستشفى التابع لوزارة الداخلية.. خرجتُ من هذا المستشفى وقد تعافيت تماما، وصرتُ أشعر أنني بقوة حصان.. انتقلت للإقامة لبعض الوقت عند قريبنا عبد الكريم هزاع في حي القطيع بـ “كريتر”.

في الغالب كانت وجبة الغداء الرئيسة لدى هذه الأسرة التي أقمت لديها مكونة من الرز وسمك “الزينوب” و”الصانونة” و”العُشّار”.. وجبة شهية جدا بمقياسي.. من يومها إلى اليوم وأنا أحب هذه الوجبة، واشتهيها.. المشكلة التي كنتُ أعاني منها هي خجلي والحياء الذي يحتلني ويتملكني إلى حد لا يصدق.. كنت لا آكل غير نصف حاجتي وأحيانا أقل من النصف بكثير..

في عدن معتادين، أو على الأقل مع الأسرة التي أقمتُ عندها، أن لا يتم تقديم الرز والسمك دفعة واحدة، حتى لا يرمون بفائض الوجبة الزائد عن الحاجة إلى كيس القمامة.. هي عادة حسنة ولكني يومها لم أفطن لها، ولم أكن أدرك سببها والحكمة منها..

كان كل ما تم اكمال ما في الصحن أو قبل انتهاء ما تم غرفه أولا، أغادر المائدة مباشرة، قبل أن يتم غَرف كمية إضافية من دست الرز الموجود جوارنا إلى الصحن التي نأكل منه.. كنت أغادر المائدة بمجرد الانتهاء من التهام ما تم غرفه في المرة الأولى أو حتى قبل الانتهاء منها، فيما كانوا يعاودون الغرف مرات عديدة تصل إلى الثلاث والأربع غرفات.. كان حرجي وخجلي هما من يحملاني على المغادرة وعدم الانتظار أو الالتفات إلى غَرفة ثانية.

بسبب خجلي وحيائي الغير طبيعيين كنت أغادر المائدة بمجرد أن يتم استغراق كمية الرز الأولى.. أما السمك فلا آكل منه إلا قليلا جدا، محكوما أيضا بخجلي وحيائي الشديد.. كنت ما استهلكه من السمك في كل لقمة لا يزيد عن حجم حبة الذرة أو نصف عجرة التمر إن بالغتُ في جُرأتي رغم وفرته، فضلا إن بعض لقيماتي كانت لا تصطحب سمكا بهذا الحجم أو ذاك، فيما كانت شهيتي الحقيقية إن أطلقت عقالها وأعنانها أخالها لا يكفيها وجبة خمستهم من الرز والسمك و”العشّار”.. ربما تلك الشهية المكبوتة والمقموعة بالحياء جعلتني أحب هذه الوجبة إلى اليوم واشتهيها بلهفة أشد..

لاحظ عبد الكريم هزاع وهو رب الأسرة طغيان الحياء والخجل في يدي ووجهي وهيئتي، وبدلا من الحاحه أن أرمي حيائي وخجلي بعيدا عن مأكلي، عالج الأمر بطريقة “داوها بالتي كانت هي الداء”.. كانت طريقته بديعة وعلى غير ما هو متوقع أو معهود بين الناس.. فبدلا من أن يلح عليّ بأكل قطع السمك قال: “أحمد لا يعجبه السمك”.. تظاهرت بموافقة لما قاله وبديت تعففي تماما عن أكل السمك.. ولم آكل سمكا في الأيام التاليات بمبرر أنني لا آكل السمك.. صرت نباتيا في سفرة وحضرة السمك..

وعندما طبخوا “زربيان” لحم وهي وجبة لذيذة، وقبل أن أمد يدي لتناول فرتيت منه، بادر بقوله: ((أحمد لا يحب لحم “الزربيان”)).. فقلت بحياء وخجل: ((أيوه .. أنا ما يعجبناش لحم “الزربيان”)).. تعمّدتُ تحت تأثير قوله إلى حرمان نفسي من لحم “الزربيان” أيضا، رغم رائحته التي كانت تشويني حيّا، وتشرِّح شهيتي، وتصلبني في دواخلي وأعماقي بصمت وخفية..

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تكرر بعدها مع الدجاج؛ حيث قال قبل أن أمد يدي إليها: “أحمد ما يأكلش لحم الدجاج”.. فكابرت وأخبرتهم بالموافقة مع ابتسامة متكلفة، وشهدت زورا على نفسي أنه لا يعجبني لحم الدجاج..

وفي اليوم الذي يليه قال وقبل أن أمد يدي إلى الغداء: “أحمد لا يعجبه الرز والصانونة والعُشّار”.. ساعتها شعرت أنه حشرني في زاوية أنا وحيائي وخجلي ودفعني نحو خيار مستحيل لا استطيع أن أجاريه.. ضحك خمستهم بقهقهة وكأنهم كانوا على موعد معها إثر ما قال، وشعرت أن ما يفعله كان بدافع دفعي إلى مغادرة خجلي وحيائي، وأن احتفظ بما هو مقدورا عليه ومعقول..

رديت عليه هذه المرة بحسم لا يخلو من ابتسامة:

– أنا يعجبني كل شيء..

***

 

(4)

بقايا رهاب

أشعر بالارتباك والخجل.. أراقب صوتي فتضطرب نبراته ويختل سياقه.. أشعر أن سكان الأرض يراقبون صوتي المتهدج والمتلعثم، فيما أنفاسي تسابق بعضها وكأنها في سباق “ماراثوني” غير مسبوق.. يعتريني التوتر الشديد حتى أشعر أن حبالي الصوتية تتمزق في مواجهة عاصفة لا تقوى على مقاومتها..

روحي المتعبة تبدو متهتكة تحت ضربات عيون من يراني أو يتابع حديثي واضطرابي.. صوت نبضات قلبي ترتفع حتى أخال روحي تكاد تطلع من فمي.. ربما أيضا أتصبب عرقا مهما كان الطقس باردا.. وإجمالا أشعر أن إرباكا كبيرا قد أصابني بحجم زلزال ثمان درجات بمقياس رختر..

لكم كانت إشارة الدكتور “دين برنيت” في كتابه المخ الأبله مقاربة لما اعتراني من رهاب وشعور في بعض المواطن.. “دين برنيت” يضرب الأمثلة على بعض الناس المصابين بالرهاب- وأضني واحد منهم في قياس مع فارق المناسبة- يفضلون مصارعة قط بري على أغنية “الكيروكي”.. يرغبون أن يتلاعبوا بقنابل حية من أن يغنون أمام الجمهور .. إذا خيرتهم بين الغناء والمصارعة سيختارون المصارعة من أن يغنون أمام الجمهور..

***

أخفقتُ في الحب مرارا بسبب طغيان خجلي ورهابي.. فقدتُ أكثر من حب في حياتي.. عشت الحب الناقص أشتوي على صفيح ساخن.. تفحمتُ بتكرار وأنا أصطلي بخيباتي الكثيرة.. تبخرت الكثير من أحلامي بسبب هذا الخجل والرهاب اللذان نالا مني سنوات طوال.. وربما أيضا أهدرتُ فرص عديدة كان بإمكانها أن تغيّر وجه حياتي.. صدمات وخيبات كثيرة ضربت أوتادها في أعماق روحي المدنفة.. أنشبت أظفارها في رأسي الذي أثقل كاهلي حتى وجدتُ نفسي أحيانا أسحبه بعدي بمشقة بالغة..

الخجل والرهاب الاجتماعي مشكلة عميقة أعاني منها منذ الصغر.. اعاقه نفسية لطالما عانيت منها في حياتي، بل هي أكثر من إعاقة ألحقت بي كثيرا من الهزائم التي كان وقع بعضها شديدا على روحي ومستقبلي وفرصي المُهدرة..

لطالما أحسست أنني معاق من رأسي إلى أخمص قدماي.. أشعر أن كل عضو وعصبة وعضلة في وجهي وأطرافي الأربعة تخذلني في أشد اللحظات التي أكون بحاجة لحوحة للثبات والتماسك.. أشعر باضطراب جهازي العصبي برمّته، بل أشعر بما يجتاح كياني ويملؤه اضطرابا، وأفشل على نحو ذريع في السيطرة عليه كقدر بات عصيا على المقاومة..

خليط من الخجل الشديد والرهاب الاجتماعي الأشد لازال يداهمني ويتكرر معي بين حين وآخر قد يقصر أو يطول، أو يعاود الظهور بعد انقطاع ونسيان، وربما أجده أحيانا لازال يتربص بي وأنا في هذا العمر المديد إلى درجة أخال الحقيقة كلها في قول فولتير: “الخجل هو شبح لا يمكن هزيمته”.

***

في جلسة مجلس النواب المنعقدة في 13 أغسطس 2016 والخاصة بمباركة تشكيل المجلس السياسي الأعلى، كنتُ الوحيد بين الحضور الذي أعلنت موقفي ببيان يؤكد عدم دستوريته، ورفضتُ فيه الحرب والعدوان، ولجو الأحزاب والقوى السياسية المحلية على مختلف توجهاتها إلى خيار العنف المسلح لحل الخلافات السياسية فيما بينها، وكذا الاستعانة والاستقواء بالخارج أو الدعوة إليه.. احتجيتُ على الجميع، وأدنتُ الجميع بما فيهم سلطة الأمر الواقع في صنعاء، وربما كنت أول من أستخدم هذا المصطلح الذي أغضب يومها نائب رئيس المجلس في إحدى الاجتماعات التي لم يتم بثها.

داهمني رهابي في تلك الجلسة العلنية بسطوة وطغيان.. لازال ذلك الأخدود عميقا في نفسي عندما عايرني بعض زملائي في المجلس وآخرين خارجه؛ ومنهم أحد رفاقي الذي شاهدني على شاشة التلفزيون حالما كنتُ أقرأ بيان رفضي واعتراضي على تشكيل المجلس السياسي الأعلى في صنعاء لعدم دستوريته وشرعيته..

كنتُ أقرأ بياني على نحو عجول، وبنبرة صوت مضطربة، وأنفاس متقطعة تسابق بعضها، ورعشة يدي وأصابعي التي تمسك بالورقة التي أقرأ منها بياني المكتوب استشعرتُ أنها بائنة للعيان، فيما رعشة شديدة أخرى كانت تسري من أسفل القدمين إلى نصفي.. أعترف أنني فشلت في السيطرة عليها أو حتى في استمهالها رغم محاولاتي المتكررة.. كان يلاحظ حالتي من كان خلفي من النواب، أو قريبين من مكان وقوفي..

***

ورغم هذا وذاك لازلتُ أعتز أنني كنت الوحيد بين جميع الحاضرين الذي قالها “لا” في وجه الجميع، وبكل قوة وإرادة وحضور.. كنتُ صاحب البيان الوحيد الذي عارض ما يجري شرعنته في مجلس لم يحترم نفسه، ولم يحترم الأيمان الغلاظ التي ذرعوها أو أطلقوها أو قطعوها على أنفسهم من واجهة هذا المجلس..

كنتُ صاحب الموقف الأهم والصلب والمختلف الذي لم ينصاع ولم يوارب ولم تعتريه ضعف أو هشاشة.. الموقف الصارخ الحاضر في قاعة البرلمان والرافض بشدة لشرعنة الغلبة، أو تمرير ما رأيته خرقا فضا للدستور والقانون والضمير، وهو ما ينسجم تماما مع حقيقة صوتي وما يمليه ضميري الحي في لحظة كانت شديدة الصعوبة والتعقيد..

رغم رهابي أجد نفسي أسحق نفاقي كل يوم.. أتمرد على مخاوفي وأثور.. أغامر وأجازف من أجل ضمير أتعبني وعذّبني وأثقل كاهلي، إلا أنني لم أتخلَّ عنه يوما، بل عشتُ صراعاته مع خصوم يملكون كل شيء، فيما أنا أعزل لا أملك غير أمل وقلم وحلم كبير لازال بعيداً وربما عصياً على التحقيق..

ما أصابني من رهاب لا يقارن بما أصابوه.. ولا مقارنة بين ما حدث منّي وما أحدثوه.. كثيرون هم الساسة والنواب وخلال عمر هذا المجلس، الذين وضعوا أيديهم بثبات على القرآن، وقد أقسموا اليمين بالله العظيم أمام الأشهاد، بأنهم سيحافظون على الدستور والقانون والنظام الجمهوري والوحدة والسيادة والاستقلال ثم ما لبثوا أن حنثوا به بعد يوم أو عام..

جلّهم تنكروا لتلك الأيمان، بل وتغوط بعضهم عليها، وبعضهم فسدوا وأفسدوا حتى غرقوا في الفساد إلى شحمة الإذنين وشعر الرأس، والبعض حملوا الخيانات في بطونهم، وربربوها في أحضانهم، وحملوها على ظهورهم، وجبوا وجلبوا منها المال الكثير، بل وأعتاشوا على الخيانات، ومكروا بشعب ووطن حتّى نكبوه، ولا نعلم كم نحتاج من العقود والسنين لنستعيد وحدته ومستقبله وأحلامه الكبار..

***

 

 (5)

بين رهابي وكثافة شعوري بالظلم !

في أحدى لقاءاتي مع الناخبين أثناء الحملة الانتخابية حالما ترشحت لعضوية مجلس النواب في العام 2003 كنت أتحدث إليهم فتوقفتُ فجأة عن الكلام لأكثر من خمس ثوان، وساد صمت ثقيل..

شعرت بالعجم بعد أن طارت الفكرة، وهربت مني المفردة، وامتنعت الذاكرة في اللحظة من اسعافي بالكلام.. شعرت بعور أصابني.. أحسست بإعاقة نفسية تستوطنني.. خلل كبير في جهازي العصبي لا يُدارى ولا يُوارى.. عطب في اللسان والذاكرة.. شعور بالنقص يداهمني، وإحساس سؤال فيه غضب وغصة: كيف لخالق لم يتم خلقه وهو الكمال كله..؟! فأجاب المجيب “لله في خلقه شؤون”.

كنت أحدّث نفسي قبل أن أصل إلى مجلس النواب: كيف يمكن أن أتحدث في قاعة مهابة، أمام ثلاثمائة نائب وأربع كاميرات تحيطني من كل جانب وتنقل تفاصيلي من أربع زوايا، ربما لملايين البشر..؟!! كيف لي أن اقتحم كل هذا وأنا الخجول الذي قمعت حبي طويلا بسبب خجلي الكبير، وفشلت في البوح أو الكلام ثلاث سنين مع الفتاة التي أحببتها بصمت مهول، وكتمان شديد، دون أن تدري أو تعلم هي أنني في حبها أشتعل وأحتضر..!!

***

وفي مستهل عهدي في البرلمان وبسبب خجلي ورهابي كنت أسأل نفسي: هل سأكون مثل “نيوتن” البرلماني الصامت الذي قيل عنه أنه لم يقل شيئا خلال سنوات دورته النيابية غير مطالبته في إحدى المرّات بإغلاق النافذة التي يتسرب منها الهواء البارد!! أم سأكون مثل ذلك الفلكي الذي دعاه الملك لحضور الاحتفال في قصره، فحبس بوله حرجا وخجلا من أن يسأل عن المرحاض.. فولج درب الخلود ليس بسبب اكتشافاته الفلكية، وإنما بسبب هذه القصة المضحكة حد الموت..

ثم أستطرد في الأسئلة مع نفسي: هل سأدخل باب الخلود من هذا الباب؟! هل سأصاب بالعجم أو الشلل من أول كلمة لي في البرلمان؟!! أم بسكتة قلبية من أول جملة يتاح لي الحديث فيها تحت قبة البرلمان، وبالتالي أدخل الخلود منها إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية، أو بموسوعة عالمية أو برلمانية تهتم بهكذا أمر أو حتّى موسوعة عجائبية أخرى.. من هذا الذي يجرأ غيري على العجم أو الموت من أول كلمة أو جملة يتحدث بها في البرلمان حتّى وإن ازدحمت الأرض بالعجائب..

***

لاحقا وفي الواقع كنت أجد نفسي في بعض الأحيان أتحدث فأفقد تراتبي الحديث وتسلسل الأفكار.. تضيع مني الأولوية بين الأهم والمهم وما دونهما.. انتقل في الحديث من فقرة في اتجاه معين قبل أن أكملها، إلى فقرة أخرى، و ربما إلى فكرة ثانية دون أن أستكمل الأولى.. أفقد كثير من التركيز، وأبدوا مشوشا ومضطربا، وربما يرتعش بعض أجزاء جسمي، ويتهدج صوتي، وتتصاعد أنفاسي حد صعود الروح..

كنتُ أتعرض لانتهاكات عديدة وربما شبه متواصلة، ولا أحسن تقديمها كما يجب في قاعة مجلس النواب.. كان الظلم الذي يطالني أو أجده على كاهلي أثقل وأكبر منّي.. أستشعر مليا أن ليس لي حظا في الخطابة وغير مفوه في الحديث والكلام وإيصال ما أعانيه على النحو الذي أروم.. كنت أشعر أن الصدق فيما أقول عميق، ولكنه يحتاج إلى من يوصله كما يجب.. كان النواب نبيل باشا وصخر الوجيه وعيدروس النقيب يحسنون التعبير فيما يصيبني أكثر منّي..

عشتُ صدمات متعاقبة، وتكشّف لي أن الواقع أكثر سوء مما كنت أظن، وأن مجلس النواب ليس على ذلك النحو الذي كان في مخيلتي قبل أن أصل إليه، وأن جل الأعضاء منقادين على نحو لم أكن أتصوره، وأن الظلم قد بلغ مني مبلغه بعد مقتل أخ زوجتي عادل صالح يحيى الذي كان يعمل معي سائقا ومرافقا، وأن ما أعيشه ويعيشه الناس من ظلم ومظالم يستحق قدرا من الجُرأة والجنون..

***

تولّد لديّ إحساس كثيف بالظلم ما دفعني إلى الاحتجاج الصاخب وغير المبالي بإعاقتي.. تأجج وثار داخلي احتجاجي في مواجهة الرهبة الكبيرة والخجل المجحفل والمخاوف غير المبررة..

وجدت نفسي في هذه المواجهة عنيدا في مواجهة هذا الظلم، ومستعدا لفعل كل ممكن لمواجهته وابلاغ الناس به..

عشت هذا الاحتدام والمواجهة بين اكتظاظ مشاعر الظلم الكثيف من جهة، وطغيان رهابي وخجلي من جهة أخرى وعلى نحو أبدو فيها باضطراب يشبه الإعصار أو هوج العاصفة..

توتر ملفتا وربما شديدا في بعض الأحيان.. أفقد زمام السيطرة على أعصابي على نحو ملحوظ، وربما سافر في بعض الأحايين.. تكتظ الأفكار في رأسي.. تتضارب وتعتصف.. تدمدم وتحتدم كنوبة من جنون يتكرر ويرفض الإذعان والاستكانة للظلم بأي وجه كان..

لقد تخليت كثيرا عن خجلي وإن كان أحيانا يقوى ويشتد في مواجهتي، ولكنه أقل من أن يؤثر في حياتي كما كان.. أما رهابي فأنحسر إلى هذا الحد أو ذاك، وإن عاودني وأشتد بعد انقطاع، أحاول أن أتجاوزه في المناسبة نفسها أو في مناسبة أخرى أكثر أهمية، حتى وإن بقي له في النفس أثر..

كما أن مواجهاتي ضد الفساد والظلم وانحيازي لحقوق ومصالح البسطاء من الناس تجعل مواقفي أكثر أهمية من عداها.. وما أعجز وأفشل عن قوله أنجح كثيرا في كتابته، وعلى نحو يصل إلى الناس كما يجب، أو هذا ما أظن وأعتقد..

***

(6)

رهابي وجنوني..!!

بين رهابي وجنوني رحلة من الظلم الثقيل، والعذاب المستمر، والمقاومة التي ترفض اليأس والانكسار.. بين هذا وذاك رفض ومقاومة لا تستسلم ولا تستكين ولا تذعن لاستبداد وطغيان.. إنها المسافة التي أغالب فيها قهري وأقداري، وأمارس فيها وجودي حتى ينتصر على خجل ورهاب أستبد، وظلم أثقل كاهلي وكواهل البسطاء من الناس..

رغم اضطرابي ورهابي وكثير من المشاهد العاصفة التي أعيشها وتكتظ داخلي، إلا أنني كما أظن كنت حريصا على مصداقية ما أقول – حتى وإن شابه بعض الارتباك – وأن ما أقوله من وجع كان نابع من أعماق روحي التي تشتعل بضمير حي لا يهدأ ولا يستكين في مواجهة الظلم أيا كان، وتحت أي مسمى أو لباس أو عنوان..

كنت أعبّر عن أوجاع الناس وأوجاعي بتلقائية صادقة، بعيدا عن الحسابات السياسية التي لا تقول الحقيقة في أغلب الأحيان، أو تلك التي تعمد إلى استلاب الوعي، ومصادر الإرادة، والنيل من الحرية، والعمل على تدجين ما أمكن ضمن القطيع..

عندما أفترى عليّ نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن في عام 2007 في قاعة البرلمان برواية ملفقة وكاذبة بشأن احتجازي في الأمن السياسي ؛ أقسمت في المجلس بشرفي أن هذا الوزير كاذب بعد أن أنتهى من سرد روايته الملفقة.. فطالب بعض النواب في الجلسة سحب كلامي، وتقديم الاعتذار لمعاليه، فيما هدد البعض مطالبا بسحب حصانتي البرلمانية لأنني أسأت لمعالي الوزير..

والحقيقة أنني كنت صادقا جدا، وكان كاذبا جدا، بل ومتعمدا الكذب والافتراء.. رفضتُ الاعتذار، وكنت الجدار القصير لزملائي الوثابين في الانحياز والتزلّف للحكومة ومعالي الوزير.. لقد بلغ يومها نفاق بعضهم حد الخزي والابتذال السمج الذي مر شديدا ومتعمدا وثقيل الوطأة على روحي المحطمة بخذلانهم ونفاقهم وعصبوياتهم الصغيرة..

كنت اغالب المشاعر والأحاسيس المحبطة، وأسحق رهابي المكوم داخلي بمزيد من التحدّي والإرادة على الاستمرار بالمضي فيما أنا عليه من دفاع وانحياز لحقوق الشعب ولحقوقي النيابية المنتهكة، وبإدراك عميق أن هناك متسعا لأن أحوّل ما أعانيه من إعاقة نفسية اسمها “الرهاب” إلى قوة أكبر منها.. والأهم من المهم أن لا أذعن ولا أستسلم لهذه الإعاقة التي أشعر بها وهي تتغلغل إلى أعماق روحي التي تكره الظلم وتقاوم الظالمين أي كانوا وتحت أي شعار أو مقدّس..

***

كنتُ أضيق بمن يتصنعون الكلام أمام الشاشات لمغالطة مواطنيهم، والكذب عليهم، وتزييف وعيهم، وهم خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة يثقلون الشعب بكل ما هو ثقيل.. ينحرون حقوق المواطن، ويصنعون الظلم الكبير، أو يتواطؤون معه، أو يتآمرون مع الأشرار في صناعته وإخراجه على نحو فيه كثير من الخداع وتسويق الوهم وخيانة الضمير..

كانوا يرفعون الدعم عن السلع الضرورية، ويمررون الجُرع من تحت قبة البرلمان بكلمات خادعة كمصطلح “حزم الإصلاحات الاقتصادية” دون أن ينتقصون أو ينالون أو يمسّون الفساد العرمرم، بل ويشرّعون له القوانين، ويتركون له الثغرات الكبار ليمر منها كجلالة ملك مهاب..

كان يستفزني أن يحدث هذا، ويستفزني أكثر من يحترفون ألحان الحجج لتبرير الظلم أو الكيد به كحق يراد به باطل، أو الذين يتواطؤون مع الظالمين بصمت الخيانة والعار.. من تتلاشى خطبهم الفجاج وتنتهي مواقفهم إلى عدم وسراب وأحمال كاذبة.. من يستلمون الرشوات بعد تمرير بعض الصفقات الغلاظ، وبعض القوانين والاتفاقيات المملوءة بالثقوب وأبواب الفساد المريع..

كنتُ ولازلتُ أضيق بمن يفتقدون للمصداقية والضمير أو يقفون على الضد من مصالح الفقراء المكدودين والمُعدمين وقضاياهم العادلة.. أتحدث غالبا بتلقائية لا تتقن ما يسمونه “فن الخطابة والكلام” وما يأتي في جله على حساب الوطن والعدالة، وأحلام الحالمون بمستقبل وطن عظيم أكثر عطاء وسؤددا ورفعة..

***

وعندما وجدتُ البرلمان لا يتسع لما أحمله من قضايا ومظالم وهموم، بل وبعد قناعة أن ليس بمقدور هذا المجلس حتى رفع اليسير منها، وقد ضاق عن التعبير عما أريد التعبير عنه، وتيقنت أن كل مخاض فيه لا ينتهي إلى ولادة، أو حتى إلى موقف واحد بإمكانه أن يقلب الطاولة أو يغيّر الحال أو ينتج تحول متواضع، اتجهت بحماس نحو الكتابة والنشر والعمل الاحتجاجي الميداني..

كتبتُ ونشرتُ عبر الصحف تقارير موازية لتقارير لجنة الحريات وحقوق الإنسان في المجلس.. كشفت كثير من الانتهاكات التي وجدتها من خلال نشاطي الإعلامي والحقوقي الذي أعتمد فيها على النفس الدؤوبة الباحثة عن العدالة، أو من خلال منظمة التغيير التي تشرفت برئاستها..

 كشفت أيضا من خلال صحيفة “المستقلة” التي أملكها ما يتنامى إلى مسامعي مما هو غير معلن، وعمّا يجري خلف كوليس المجلس، وما يجري من صفقات  ومواقف في الغرف المغلقة، وما يتم تمريره من جور عبر المجلس بحق الناس والوطن، بل وكشفتُ فيها عن موقف وإنحيازات كل نائب، وتصويته ورفضه وامتناعه عمّا يصدره المجلس من قرارات في الشؤون العامة والهامة..

***

الظلم كان يشتد، ومظالم الناس كانت تصل إلىّ أو أنا أصل إليها، ثم تعتبي وتكتظ في وعيي ووجداني دون أن أجد من يساعدني، أو يرفع الظلم عن أصحابها.. كان من يدير جلسات المجلس رئيسا أو نائبا يتعامل معي بدونية، ويتجاهلني كثيرا على نحو يستفزني ويستفز وجودي، ويصادر حقي في الحديث، أو يقطعه دون مصوغ من قانون أو مبرر وجيه، بل وأحيانا يفعل هذا بتعالٍ وازدراء، أو ببرود وعدم مبالاة، وبالتالي يمارس الإخضاع لرغبة وإرادة غلبة استبداد وتعسف..

كما كنتُ أتعرض لانتهاكات فظة تطالني وتتكاثر كلّما أمعنتُ بالمطالبة بالإنصاف ومقاومة الظلم وعدم الاستسلام له، ثم يتخلّى عنّي الزملاء بعد وقت لا يطول لأسباب تخصهم، وربما بعضهم وجدوني الجدار القصير ليلقوا عليّ العتب، ويدارون فيه انحيازهم أو تقصيرهم أو خور قواهم، وفي المحصلّة والنتيجة كنتُ لا أصل إلى عدالة أو إنصاف أو حق أبحث عنه بشق النفس وطلوع الروح، ولطالما وجدتُ السلطة ورجالها محصّنين مرارا من خلال أتباعهم في المجلس وممانعتهم من انتزاع أي حق أو إنصاف منهم..

احتجيت واعتصمت وتمردت ونجحت في تجاوز كثير من خجلي ورهابي.. اكتظت حياتي بالمحاولات دون يأس أو سقوط.. ازدحمتُ بالمواجهات والضجيج والتمرد والصخب.. وبقي الأهم هو أنني لا أستسلم ولا أستكين ولا أذعن لظلم أو ظالم..

كثير هي المواقف الاحتجاجية التي قمتُ بها في البرلمان وسحقتُ فيها كثير من خجلي ورهابي.. بدأتُ من الاعتصام إلى الإضراب عن الطعام لأكثر من مرة ومناسبة، إلى الوقوف على الطاولة، إلى الجلوس وإدارة ظهري لوجه الرئاسة، إلى لف السلاسل والأقفال على عنقي وصدري حتى كدتُ أختنق، وهم يحاولون منعي من الدخول إلى قاعة المجلس والاحتجاج فيها، وحتى خلس قميصي والمكوث دون قميص، بل وصل الحال حد محاولة اغلاق البرلمان مع الجرحى، والشروع في التعرّي أكثر من مرة في قاعة هذا المجلس المتعرّي جداً..

***

عندما يمارس الظلم عليكم طغيانه وفجوره ثوروا وأتمردوا ولا تستسلموا، ولا بأس أن انتزعتم فسحة من اكتظاظ وضيق، أو استراحة محارب تستعيدون فيها أنفَاسكم وقواكم حتى تسحقون التعب والوهن لتبدؤون الكرّة من جديد بإرادة تفلُّ الحديد..

عندما يداهمكم إحباط ثقيل، أو تنزل على رؤوسكم مصيبة أو نكسة في معركة مختلة بين أعزل ومن يملك ألف قدر، قولوا للأقدار كلّها إن الحرب لم تنتهِ، وإن خسرنا معركة، فلنا في القادمات صولات وجولات، ولنا شرف كبير، وفي الانتظار ألف مأثرة وانتصار، وفي مسك الختام ينتظرنا انتصار كبير..

إن داهمتكم هزيمة قولوا ما هُزم من لا زال يقاوم.. لا بأس من استراحة تستعيدوا فيها قواكم في مدى لا يطول، لتعيدوا الصاع صاعين، وتردوا الكرّة ألف كرّة في وجه من قهركم بظلم وطغيان.. فالإرادة القوية لا يهزمها ألف قدر ونمرود..

قلت ولازلتُ أقول لمن طال وأوغل ظلمهم، وظنوا إن عهدهم سيمتد ألف عام، عمر صنعاء 12200 سنة، وعمر اليمن ضارب في عمق تاريخ الحضارة والوجود، وعهدكم إن طال في هذا الامتداد العميق لن يزيد عن برهة زمن.. من زخم نضال لا يستكين نصنع أقدارنا في وجه أقدار ظلم وقهر يصرون على فرضها علينا، وإخضاعنا لإستبداد وطغيان.. مارسوا وجودكم ولا تستسلموا لأقدار عبثة، ولا تذعنوا لواقع ظالم مهما كان ثقله وسواده وكلفته..

***

(7)

أسباب خجلي ورهابي

تنشّأنا في واقع مملوء بالخوف والفزع والهلع.. حياة قاسية لا رفق فيها ولا لين.. طفولة مشوّهة نبتت في مرايا مهشّمة؛ فبدينا مسوخا أكثر شوها ورعبا.. مقموعين في البيت والمدرسة، بل ومقموعين في الحياة كلّها.. حياتنا جلّها أو كلّها ذل وإخضاع وطاعة.. بصيغة أو بأخرى سلطة أبوية تدركك أينما وليت وجهك أو ذهبتَ وحلّيت.. حروب وعنف وقتل باذخ، وحياة رعب من مستهلها حتّى “عذاب القبر”..

عبودية مؤلّهة، ووعي مُدجن وطيّع وذليل.. عقول تبحث لها عن ألجمة ومرابط ومحابس وحدود.. عقول لا تتعدى آذاننا فنسمع ونخضع ونطيع.. عنفواننا أخمدوه، وصوتنا أخرسوه، وعيب بثقل الجبال أثقل الحيل والكواهل.. لا خيل هنا ولا عنان ولا صهيل.. منقادين ومسلّمين ومستسلمين.. طاعة وتوكل وتغييب وفقدان..

كذبوا علينا في الصغِر والكِبر.. تعلّمنا الكذب والتسليم والجر قبل أن نتعلم حروف الجر وأبجديات الكلام.. تشرّبنا ثقافة القطيع من نعومة الأظافر حتّى بلغنا سن الكهولة..

أحتلت الخرافة عرين الأسد، وتعاطينا مع الوهم أنه الحقيقة المطلقة.. زجرونا ومنعونا من البحث في الوجود والإجابة على الحيرة والأسئلة.. أخمدوا روح البحث فينا ووأدوا العقل والبراءة والطفولة.. رضعنا الجهل وجعلنا له مهابة وقداسة..

***

أشعر أن مرد خجلي ورهابي الى تنشئة أسرية خاطئة.. طفولتي أقل ما يمكنني أن أقول عنها إنها كانت تعيسة للغاية.. مثقلة بالقمع والقسوة، ومعتلة بالمعاناة والحرمان.. وقد تحدثت عنها وألمحت إليها في أكثر من موضع ومكان..

لقد كانت طفولة منهكة وحسّاسة ومثقلة بالألم .. يضاف إليها مشاكل أسرية جمة رافقت حياتي الأولى المتعبة، و قلق مساور في أغلب الأحيان.. كنتُ مطالبا بطاعة عمياء، وأي رفض لها، يتبعه دون مهل، العقاب القاسي والعجول، ومن دون سؤال..

عندما تُضرب أمام أقرانك، ومن هو في سنك، وتشعر إن العيون تأكل حشاشة قلبك يكون الوقع في النفس بالغا جدا لا يعرفه إلا من عاش التجربة لا من راءها.. عندما تُضرب أمام العامة يكون الإيلام أشد بل حتى التعاطف والشفقة تحس أنها تجرحك..

عندما تشعر بالإهانة يكون الإحساس قاتل.. عندما تريد أن تبلعك الأرض وأن لا يرى الناس المشهد الذي أنت فيه تتمنى فيه الموت المضاعف.. عندما يتم قمع سؤالك تعيش معركة السؤال ربما حتى آخر أيام حياتك..

كانت تثقل كاهلي سلطة أبوية صارمة وقاسية من عناوينها “اضرب ابنك واحسن أدبه، ما يموت إلا من وفاء سببه”.. “اضربه.. يقع رجال” .. “اضربوهم على عشر…. ” ثم يزيد الحمل على كاهلك الصغير و الغض، بسلطة أخرى، هي سلطة الأستاذ أو المعلم.. ويتواصل قمع السؤال من الأسرة إلى المدرسة..

يضربك الأستاذ لأقل وأتفه خطأ، بعصى أو خيزران، في صباح صقيع، على بطن وظهر كفك، وأحيانا يدعو أقرانك ليكبلوك، ويخمدوا قواك، بأيديهم وأرجلهم، ليفلك قاع قدميك، حتى يكاد الدم يتطاير من وجهك، وعروق عنقك، وقاع قدميك.. يضربك بقسوة تشبه الانتقام، بحضور ولائمي، و مشهد جماعي، دون أن يتفهم أسبابك، أو حتى يستمع لعذرك..

وقبل أن تتحرر من سلطة الأب وسلطة المعلم، تداهمك سلطة قامعة ثالثة، تقتل أهلك، وتفتش دارك، وأنت لا زلت طفلا أو حدثاً، أو دون سن البلوغ .. ثم تراقبك وتلاحقك وتتربص فيك بقية حياتك المتعبة، من أجل احتوائك، أو تدجينك وجلبك إلى عالم الطاعة والخضوع..

طالني قمع كبير لوقت طويل لإرغامي على الولاء والطاعة، ولأكون منقادا وتابعا ومطواعا “حسن السيرة و السلوك” .. بلا رأي ولا موقف ولا إرادة ولا حياة .. فيما كنت في المقابل، استميت في الاعتراض والرفض المقاوم المعلن أو غير المعلن، وتأكيد ذاتي واستقلالي الجموح.. صراع خضته باكرا و لم ينته إلى اليوم..

***

وفي سياق ضرب الأمثلة للمعاناة التي عشتها، وكان لها مدخلا على نحو أو آخر في خلق أو تعاظم ما أصابني من خجل ورهاب؛ أذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الوقائع التي لازالت حاضره بوجه ما في وعيي بعد الخمسين عام أو أكثر..

أثناء طفولتي في عدن كانت أمي تثير مخاوفي ممن تسمّيهم “الجبرت” للحيلولة دون أن أفكر  في الخروج من بيتنا المُغلقة بقفل من خارجه.. أتحفّز للخروج من البيت لأرى الناس وما يجري خارج بيتنا من حياة وصخب، غير أن المنع هو السائد، وصرامته كانت من حديد، إلا ما ندر حال مرض أو زيارة أو يوم عيد، وما دون ذلك كان أشبه بالمستحيل.. وعند عودتنا إلى القرية كانت أمي لا تزل تحذّرني وتثير مخاوفي من الذهاب بعيدا من البيت حتى لا أقع في يد “الجبرت”..

كانت تخبرني أنهم يشممون الأطفال الذين يجدونهم في طريقهم عطر خاص، أو شيء من هذا القبيل، ثم ينقاد الطفل قفاهم كمسحور دون إدراك أو وعي منه.. ثم يأخذون أولئك الأطفال إلى بلاد الإنجليز، ويحبسونهم هناك، ويطعمونهم اللحم والفاكهة وأنواع الخضروات في عيش رغيد حتى يصيرون سمانا منبعجين، ومدفونين العيون بسمنتهم، ويصر دمهم كثير و وفير..

وبعدها يضربون في رؤوسهم المسامير، ويعلقونهم بأقدامهم إلى الأعلى، بحيث تتدلى رؤوسهم إلى الأسفل، ويضعون أوعية من صفيح تحت رؤوسهم؛ فينسكب الدم الغزير منهم إلى تلك الأوعية، وينزفون حتى الموت، ثم يستخدم “الجبرت” هذا الدم في صناعة الذهب والنقود المعدنية.. كانت هذه الحكاية تملأ مخيلتي بالخوف والرعب والهلع..

***

وفي القرية حالما كنت أشاغب ويريدون منّي الهدوء أو الصمت أو النوم تدعي أمي لعمتي “فنون” أخت أبي التي كانت تجمعنا معها نافذه صغيرة مشتركة في مسكننا القديم، فتغيّر وتحوّر عمّتي صوتها من أسفل الحنجرة ليصير على نحو مفزع وغريب، وهي تقول من خلف النافذة: “يا محوّل حوّل بأبن آكله” ثم تكرر وتضيف عليه حتّى يحل السكون.. تلك الجملة القصيرة بصوتها المحوّر والغريب كانت تثير فزعي وهلعي، فأهدأ أو أكف عن الفوضى والشغب وألوذ بصمت هلع..

ظلّت عقد الخوف والاضطراب والفزع تكبر معي، وما أن أتى دور المدرسة حتى وجدت خوفي يزداد من عقوبات الأستاذ كالضرب بالعصاء، والفلكة بالخيزرانة، والوقوف أمام الطلاب بساق واحدة.. وفي البيت أجد من أبي تعنيفا وتوبيخا جسديا ولفظيا، وضرب أشد قساوة من قساوة الأستاذ في المدرسة.. والأهم أن هذا وذاك كان يحدث أمام أقراني، وأحيانا أمام الكبار حتى وجدت نفسي ورهابي وخوفي وخجلي يزداد ويكبر حتّى صرتُ في تكويني النفسي من مخرجات تلك التربية القاسية والخاطئة والمشوّهة..

***

زجري من قبل أمي في صغري، وغضبها الهلع، ومنعي من الأسئلة التي تغضب الرب شارك أيضا في تعاظم رهابي.. وضاعف ذلك لاحقا زجري من قبل الأستاذ في المدرسة، وأنا أسأل عمّا يعني “البراز” الذي كان يتحدث عنه.. توتر الأستاذ من السؤال، وغرق أقراني بالضحك عقب جواب الأستاذ المنفعل حتى صرت أشعر بخجل ثقيل لا يُنسى، تبعه رهاب وخوف من الإفصاح عن كثير من الأسئلة التي تدور في خلدي، وأحجمُ عن البوح بها لكل مُهاب، غير أن هذا وذاك لم يمنع من تكاثر الأسئلة في عقلي الصغير الذي كان يريد ان يعرف كل شيء..

وفي مناسبة اخرى في الابتدائية الأولى، وفي سياق الإعداد لحفل استعراض مدرسي كان فريق عرضنا نحن المجموعة مكون من عشره طلاب.. أربعة طلاب أقويا يعتلي عليهم ثلاثة أخف وزنا منهم، ثم اثنين أقل وزنا، وكان يفترض وأنا الأصغر والأقل وزنا اعتلي الاثنين وأصير في قمة هرم الفريق، ولكنني فقدت توازني وحاولت أن أنجح مرة ثانية ولكن توازني خانني مرة أخرى، وأختل أكثر؛ فتم استبعادي من الفريق واستبدالي بطالب آخر نجح في المهمة.. شعرتُ حينها بندبة استقرت في دواخلي وخوالج وأعماق نفسي.. أحسستُ بخجل عميق يتدفق إلى أغواري، وضعف مهارة تفقدني ثقتي بنفسي، وكلها أسباب لعبت دورا في تغليظ خجلي ورهابي..

***

خجل وانطواء وخوف واضطراب ورهاب تشاركوا ضدي وأثقلوا كاهل طفولتي المزدحمة بالمتاعب والمعاناة، وربما أسباب أخرى كانت حاضرة منها وجود اختلال واعتلال في جهازي العصبي المركزي ومستقبلاتي أو ناقلاتي العصبية، واضطراباتي النفسية، وعيوب أخرى ربما خُلقية أحتلت مساحة ما في دماغي، وخلل جيني وراثي أصابني منذ تكويني وكان نواة رهابي..

أذكر أن أمي في بعض المواقف التي يعتجنها العجل في لحظات تستدعي المسارعة لفعل شيء ما، كانت ترتبك كثيرا، وتحشر الكلام ببعضه، وتراكبه وتقضمه وتداخله إلى الحد الذي لا ندري ماذا تقول!! ولا تدري هي ماذا تقول!! ولا هي في تلك اللحظة قادره أن توضح ماذا تريد إلا في أحسن الأحوال لماما ما يمكن أن نفهمه من لغة إشارة يدها، أو من طارئ حدث، كنفور بقرتها التي انتزعت منها عقالها، وكادت أن تسقط في هاوية المنحدر، أو إفلات عنان عنزه على زرع الغير، أو طلب عجول يماثل حكاية “استغاثة الأب بترك التيس وربط “جمعة” المدهوش، الذي زبط السراج دون إرادة لتحل العتمة، وقلب صحن العشاء بما فيه، وركل الأب برجله، ورفسه بالأخرى ليربط التيس..!!

كل ذلك ربما جعلني وأنا أشعر يوما ما بكل هذا النقص والاعتلال أغضب حد العتب على خالقي الذي كنت أشعر أنه لم يحسن تكويني على النحو الأمثل، أو الذي أرغب وأريد، غير أن الله يقول: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ )

 

***

تتبع السلسة التاسعة ..

  • الصورة تعبيرية..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

موقع يمنات الاخباري

موقع برلماني يمني

صفحة أحمد سيف حاشد على تويتر

صفحة أحمد سيف حاشد على تويتر 2

حساب أحمد سيف حاشد على الفيسبوك

صفحة أحمد سيف حاشد على الفيسبوك

قناة أحمد سيف حاشد على التليجرام

مجموعة أحمد سيف حاشد على التليجرام

أحمد سيف حاشد هاشم

 

“Yemenat” news site

MP Ahmed Seif Hashed’s websit

Ahmed Seif Hashed “Twitter”

Ahmed Seif Hashed “Twitter”

Ahmed Seif Hashed “Facebook”

Ahmed Seif Hashed’s Facebook page

Ahmed Seif Hashed

Ahmed Seif Hashed channel on telegram

Ahmed Seif Hashed group on telegram

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى