كتبوا عنه

من زنزانة “الجوع” في صنعاء إلى منفى “الاختناق” في نيويورك

​رسالةُ رمادٍ وحنين إلى رفيق الروح احمد سيف حاشد

برلماني يمني

عبد الوهاب قطران

​تسمّرتُ طويلاً أمام هذه الصورة.. حدّقتُ في تفاصيلها الموجعة حتى أدمت مقلتيّ روحي. ليست هذه مجرد لقطة عابرة لبرلماني مريض يسندُ رأسه المثقل بالهموم على وسادة الغربة الباردة في نيويورك؛ إنها “أيقونة” مكثفة لوجعنا اليمني المستباح، واختزالٌ مرعبٌ لمآلات الشرفاء في زمن الانكسار الكبير.

​منذ أسبوع، وأنا صامتٌ صمتَ القبور، غائبٌ عن الوجود، وكأنّ على رأسي الطير. لم يكن صمتي عنكَ يا رفيق الدرب جفاءً، ولا نكراناً للوداد، وحاشا لمثلي أن يخذل مثلك. ولكنني كنتُ مشلولاً، معلقاً بين الموت والحياة، مذهولاً بوجعي الخاص الذي شطر ظهري هنا في صنعاء.

​كنتُ أعيشُ “غيبوبة قهرية”، وعقلي وقلبي معلقان هناك، في أقبية مخابرات الشرطة، حيث يخوض ابن أخي الشاب، “عبدالسلام عارف”، معركة الأمعاء الخاوية، مضرباً عن الطعام منذ أسبوع، يرفض الذل ويشرع صدره للموت جوعاً. كنتُ غارقاً في “زنزانة الجوع” مع ولدي، حتى صفعتني صورة “الاختناق” لرفيقي.

​يا الله.. كيف تتشابه المآسي، وكيف يتبادل الأحرار أنخاب الوجع!
هنا شابٌ يرفضُ الطعام احتجاجاً على قيد السجان، وهناك في أقاصي الأرض، يرقدُ “صوت الشعب” أحمد سيف حاشد، يصارعُ لاقتناص ذرة أكسجين، يهدده انقطاع النفس وتتربص به السكتة الدماغية، بينما تتفرج عليه “الشرعية” من شرفات فنادقها الوثيرة ببرود الجليد.

​يا أحمد.. يا وجع القلب:
اعذر تأخري.. فقد شلّت “صدمةُ” الجوع في سجون صنعاء قدرتي على استيعاب “صدمة” المرض في مشافي نيويورك. تداخلت عليّ الصور، وتشابهت عليّ الآلام، فصرتُ لا أدري أأبكي على من يذوي في الزنزانة، أم أنوح على من يختنق في المنفى؟
​قرأتُ أنك تهدد بالتعري أمام السفارة في واشنطن.. فانتفض قلبي من مكانه.
لا يا صديقي.. لا تفعل.

هم العراة.. هم العراة من الشرف، والعراة من المروءة، والعراة من الضمير. أما أنتَ فمكسوٌّ بثوب العزة، ومدثرٌ بمحبة البسطاء الذين كنتَ صوتهم حين صمت الجميع. جراحكَ هي نياشينك، وأنبوب الأكسجين الذي يطوق وجهك الآن هو أطهر من ربطات عنقهم الملوثة بالمال الحرام.

​أعرفُ أنك تشعر بالوحدة، وبالخذلان، وأنك ترى الموت قريباً يلوح لك في نوبات توقف التنفس.. لكنني أقول لك من هنا، من قلب صنعاء الجريحة:
لستَ وحدكَ.

كلنا نختنقُ مثلك، وإن اختلفت الأسباب. أنت تختنق بنقص الأكسجين في نيويورك، ونحن نختنق بفيض القهر في اليمن.
​تنفّس يا أحمد.. قاوم هذا الاختناق.. تمسك بالحياة بعنادك المعهود.

نحن بحاجة إلى رئتيك النقيتين في هذا الزمن الملوث. نحن بحاجة إلى صوتك “المشاغب” ليزعج سبات اللصوص والفاسدين.
قمْ سالماً، معافىً، لتكتب، ولتصرخ، ولتملأ الدنيا ضجيجاً.. فنحنُ بدونك يتامى في مأدبة اللئام.
​سلامٌ على قلبك المتعب، وسلامٌ على أنفاسك التي نعدّها معك نفساً نفساً..

عذراً.. ومحبةً.. ودعاءً لا ينقطع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى