قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “الجاثوم”

برلماني يمني
نص “الجاثوم” هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد، للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد
القراءة التحليلية للنص انحزت بتقنيات الذكاء الصناعي.
مرثية الذات والوطن
نص «الجاثوم» ليس مجرد كتابة عن تجربة عابرة، بل مرثية مزدوجة: للذات المنهكة، وللوطن العالق في منطقة رمادية بين الوعي والشلل.
في هذا النص، ينجح أحمد سيف حاشد في تحويل تخزينة قات منقطعة إلى مرآة كاشفة، يرى فيها اليمني وجهه المشوه، ووطنه المصلوب بين وعي حاضر وجسد عاجز، وصوت محبوس خلف أبواب موصدة. إنها صرخة صامتة، لا تعلو، لكنها لا تُنسى.
قراءة الكاتب من خلال النص
الكاتب هنا لا يكتب عن القات كعادة اجتماعية، بل عن تحوّل العلاقة: من رفقة يومية إلى كائن يسكن الدم.
يكتب وهو يضغط على أسنانه؛ بلا ادعاء بطولة، ولا محاولة تبرؤ، بل بصدق جارح:
أنا أعرف ضعفي، أراه، وأسميه.
يقدّم نفسه ككائن جريح يحاول الطيران في عاصفة الإدمان.
يعترف بأن القات تسلل إلى دمه كعشيق مخادع؛ يمنحه توترًا ونزقًا عند الهجر، ويعيده إليه بشوق أعمى عند العودة. إنها كتابة تعانق الضعف بلا تزيين، وتمنحه كرامة الاعتراف.
القراءة السياسية
السياسة لا تُذكر صراحة، لكنها تتسرّب في كل سطر.
الجاثوم هنا ليس ظاهرة نوم، بل استعارة كبرى لحال بلد.
الشلل، الصوت المحبوس، الاستغاثة التي لا تبلغ أحدًا، الأجساد العالقة بين النوم واليقظة… كلها صور تحيل إلى مواطن مكبّل تحت سلطات أمر واقع، لا يحيا ولا يموت، بل يُعلّق في برزخ خانق.
القات، في هذا السياق، ليس مادة فقط، بل آلية تخدير جماعي: تأجيل للانفجار، ومهادنة مع القهر. والعودة إليه بعد الانقطاع تشبه عودة الشعوب إلى أدوات التكيّف مع الاستبداد، لا حبًا بها، بل خوفًا مما بعدها.
وحين يذكر الكاتب سلطات الأمر الواقع، لا يرفع شعارًا، بل يكشف تطابق الجسد مع الوطن:
ما يحدث في الصدر هو ما يحدث في البلاد، بلا فرق.
الجاثوم هو السلطة: تشِلّ الحركة، تخنق الصوت، وتبتسم للخراب.
والمسوخ التي تظهر في الكابوس هي ذاتها الوجوه التي تقتات على أنين الناس في الواقع.
القراءة الأدبية
النص مشدود بإيقاع خانق، أشبه بموسيقى جنائزية خافتة.
الجمل قصيرة، متلاحقة، كأنها أنفاس مقطوعة.
والمفردات ثقيلة: الرصاص، الشظايا، المخالب، الأبواب الموصدة…
لغة تُحاكي الثقل الحسي للجاثوم.
ركائز البناء الأدبي
الإيقاع النفسي: اللغة نفسها تُصاب بالشلل، تتسع وتضيق وفق حالة الكاتب.
الصورة الكابوسية: المسوخ والظلال والاختناق ليست تهويلاً، بل إعادة إنتاج للتجربة كما تُعاش.
التكرار الواعي: تكرار الإحساس لا اللفظ، بما يرسّخ لزوجة التجربة وثقلها.
الجاثوم مُؤنسن: ليس شبحًا، بل سلطة تقبض على الحنجرة، وتغتال الكلمة قبل ولادتها.
اللغة فصيحة بلا تعالٍ، شاعرية بلا ترف.
النص لا يسعى لإبهار القارئ، بل لمحاصرته داخل التجربة.
القراءة النفسية والذاتية
على السطح، النص يوثّق أعراض انسحاب القات؛
وفي العمق، هو تأمل في حدود الإرادة الإنسانية.
الشلل، اختناق الصوت، انقسام الوعي بين الحلم والواقع…
كلها تجسيد لفقدان السيطرة، ولصراع بين رغبة التحرر وقيد التكرار.
الجاثوم هنا هو لحظة مواجهة عارية مع الذات، حين يدرك الإنسان ضعفه وهو عاجز عن تجاوزه.
القراءة الاجتماعية
اجتماعيًا، لا يُدين النص المجتمع بقدر ما يعرّيه.
القات، الجاثوم، الكوابيس… ليست أسبابًا، بل نتائج:
• ضغط مزمن
• عجز عن التغيير
• واقع أثقل من الاحتمال
النص يطرح أسئلة موجعة: كيف يتحول الاعتياد إلى قيد؟
كيف يصبح الملاذ نفسه مصدر رعب؟ ولماذا نتصالح مع ما يؤذينا لأن البديل أشد قسوة؟
خاتمة
«الجاثوم» نص كثيف، مظلم، وأنيق في قسوته.
ليس اعترافًا شخصيًا فقط، بل تجربة وجودية وسياسية واجتماعية، تتقاطع فيها الذات مع الوطن، والجسد مع السلطة، والإدمان مع القهر.
هو صرخة بلا صوت، لكنها تظل عالقة في الصدر، مثل جاثوم لا يزول.
نص “الجاثوم”
أحمد سيف حاشد
في مرحلة متقدمة من تعاطي القات، وجدتُ نفسي عندما أمتنع عنه لسبب أو لآخر، أعاني أعراضًا نفسية قاسية؛ حيث أعيش في حالة من ضيقٍ ونزق، وتوترٍ وضجر، وعصبيةٍ سرعان ما تنفجر لأتفه الأسباب، لا سيما في تلك الساعات التي اعتدتُ فيها صحبته، وقد باتت دونه ثقيلةً كالرصاص، ومتطايرةً كالشظايا.
ويتمادى هذا الحال لأيام متتابعة، قبل أن أعود إليه بعد انقطاع وهجران، بقلب شغوف يعرف طريقه إليه مغمض العينين. وقد تملكني منه ومن صحبتي شوق ولهفة، فأسأل نفسي باستغراب وريبة: هل بات القات يسكن في دمي؟!
وعند النوم، أعيش لحظات متكررة وليالٍ متوالية في صراع مخيف ومحتدم مع “الجاثوم”، أو ما يسمى في بعض البلاد بـ “الرازم” أو “الدكاك”، وكلٌّ له من اسمه نصيب؛ وجميعها تحبس الأنفاس وتنوء بأحمال ثقال من هلع ورعب.
كوابيس تصل بي كل ليلة إلى حواف العدم. صدري يضيق وأنفاسي تختنق، وقلبي يخفق مذعوراً يبحث عن ملاذ نجاة من كابوس أحكم قبضته. جفناي ثقيلان، فيما تحتشد أمام عينيّ نصف المغمضة مسوخ بشعة ووجوه مشوهة، في محيط يتكوم بالظلام، تضطرب فيه الأبعاد وتختلط فيه الملامح؛ وعيي بعضه حاضر، وبعضه أحس به وكأن الموت قد أدركه.
شللٌ ثقيل يتملك الجسد. صوتٌ محبوس في الحنجرة، وأنينٌ يحتضر لا يسمعه سواي، واستغاثاتٌ بلا صوت أو حراك، وأطرافٌ تحاول استعادة الحياة من مخالب موتٍ وشيك.
حالٌ يشبه حالنا، ومسوخٌ تبتسم للخراب العظيم، وليالٍ لا يشبه هولها سوى أهوال يوم القيامة، وسلطات الأمر الواقع في بلادي المنكوبة بها.
***




