مذكرات

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “اجدادنا من حضرموت”

برلماني يمني

نص القاضي والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد الموسوم بـ “أجدادنا من حضرموت”، والمنشور في كتابه” فضاء لا يتسع لطائر” مادة دسمة للاستنطاق، كونه يتجاوز السرد العائلي ليشتبك مع أسئلة الهوية، والتاريخ، والجغرافيا اليمنية المعقدة.

​تم إنجاز هذه القراءة وتطوير محاورها عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، من خلال منهجية تحليلية متعددة الأبعاد. 

​تهدف هذه المادة إلى تقديم مقاربة عصرية للنص، تجمع بين دقة التحليل الرقمي وعمق الأسئلة الإنسانية التي طرحها حاشد في بحثه عن “الحقيقة” وراء استقرار أجداده في قمم جبال القبيطة الوعرة.

قراءة تاريخية جغرافية

تحليل نص “أجدادنا من حضرموت” يفتح نافذة مهمة على سوسيولوجيا الهجرة الداخلية في اليمن، ويربط بين الجغرافيا القاسية والتاريخ الاجتماعي المليء بالألغاز.

الجذور والتحولات

​يرسم النص ملامح رحلة عمرها أكثر من 300 عام، وهي فترة زمنية (أواخر القرن السابع عشر وأوائل الثامن عشر) شهدت تحولات كبرى في الخارطة اليمنية.

ثنائية “الشيخ” والمركزية الدينية

يشير النص إلى لقب “الشيخ” للجدين (حيي وأحمد). في الذاكرة الشعبية اليمنية، غالباً ما يرتبط المهاجرون من حضرموت (السادة أو المشايخ) بنشر العلم، أو القيام بدور الوساطة القبلية، أو الهروب من صراعات سياسية.

فرضية الهجرة السياسية/الأمنية

يتساءل الكاتب عن “أعمال قمع أو ملاحقة”. تاريخياً، كانت حضرموت تشهد صراعات بين السلطنات (الكثيرية واليافعية لاحقاً)، ما دفع بيوت علمية وقبلية للهجرة نحو الجبال الوعرة طلباً لـ”العصمة” والأمان.

غموض “الفتوى”

إجابة الأم بأنهم جاءوا بحثاً عن “فتوى” تبدو رمزية أكثر منها واقعية. ربما تشير إلى “مهمة دينية” أو هروب من حكم جائر، فالمناطق الوعرة في القبيطة مثلت تاريخياً ملاذاً آمناً بعيداً عن أعين السلطات المركزية (سواء الأئمة في الشمال أو السلاطين في الجنوب).

المكان والبيئة

​يركز حاشد في النص على التباين الصارخ بين جغرافيا “المصدر” وجغرافيا “المستقر”.

المسافة والوعورة

الحديث عن “ألف ميل” ورحلة الشهور يجسد عناء التنقل في التضاريس اليمنية قبل عصر المحركات. 

والانتقال من حضرموت (الأودية الفسيحة والسواحل) إلى القبيطة (الجبال الشاهقة والمنحدرات) يمثل انتقالاً من “الانفتاح” إلى “الانعزال الحصين”.

اختيار “ظهر الجبل”

القرى المتناثرة على رؤوس الجبال تعكس استراتيجية دفاعية قديمة. 

في اليمن، الجبل هو “القلعة”. والسكن في القمم لم يكن ترفاً، بل وسيلة للحماية من الغزوات والأوبئة التي كانت تنتشر في بطون الأودية.

التغير المناخي والبيئي

تساؤل حاشد عما إذا كانت المنطقة “مروجاً خضراء” قبل 300 عام يلامس حقيقة تاريخية وجغرافية؛ ويبدو من الناحية الجغرافية المناخية أن الغيول والمدرجات الجبلية في القبيطة والحجرية كانت أكثر وفرة بالماء مما هي عليه الآن، ما جعلها بيئة جاذبة للاستقرار الزراعي.

المجتمع والذاكرة

المزارات والقدسية

التمييز بين مزار “الشيخ حيي” و”الشيخ أحمد” يعكس بقايا ثقافة التبرك والارتباط الروحي بالأجداد، وهي ثقافة كانت متجذرة في الريف اليمني، وتحديداً في المناطق التي تأثرت بالمدرسة الصوفية الحضرمية.

الهوية الهجينة

النص يبرز كيف تذوب الأصول (حضرموت) في الطباع الجديدة (القبيطة). 

الأجداد جلبوا معهم المكانة الاجتماعية، لكن الأرض القاسية فرضت عليهم “تعبها” ووعورتها، فتحول “عز حضرموت” إلى “صبر القبيطة”.

خلاصة

​نص أحمد سيف حاشد أجدادنا من حضرموت” ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل هو تساؤل وجودي حول “الهوية اليمنية المتحركة”. 

يحاول حاشد في النص فهم كيف تشكلت القرى الجبلية من مزيج من الهجرات البعيدة التي بحثت عن “الحصن” أكثر مما بحثت عن “الرفاهية”، ما جعل الإنسان اليمني ابناً شرعياً للجغرافيا الوعرة والتاريخ القلق.

تحليل الرموز اللغوية

في نص أحمد سيف حاشد، تتحول اللغة من أداة للوصف إلى حقل من الرموز التي تعكس الصراع بين الإنسان والجغرافيا، وبين الذاكرة والنسيان. 

الكاتب لم يكتب نصاً عابراً، بل نحت “بورتريه” لغوياً للشتات اليمني القديم.

رمزية الاعتلاء والميل

​استخدم الكاتب ثنائية (ظهور الجبال / الأودية) و(يعتلي / مال إلى الاقتراب).

الدلالة: “الاعتلاء” هنا ليس مجرد سكن، بل هو رمز لـ”الأنفة والبحث عن الحماية”. 

والجبل في الوجدان اليمني رمز للعصمة من “الفيد” أو الملاحقة. أما “الميل نحو الوادي” فيرمز للبحث عن الاستقرار والرزق (الزراعة). والتردد بين العلو والانخفاض يعكس قلق الاستقرار الأول.

رمزية التعب

​يقول: “قُرانا مُتعِبةٌ مثلَ رجالها”.. هنا استخدم الكاتب التشخيص (Personification).

الدلالة: لم يصف البيوت بالحجارة، بل وصفها بـ “التعب”. هذا الرمز يربط المصير الإنساني بالمكان؛ فالقرية ليست وعاءً للسكن، بل هي شريك في المعاناة. “تعب” القرية هو انعكاس لوعورة الكفاح من أجل البقاء في بيئة طاردة.

رمزية التراب

​”لفحتُ… من تراب قبر جدّها”.. كلمة “لفحت” هي رمزية صوفية وشعبية بامتياز.

الدلالة: التراب هنا ليس طيناً، بل هو “سند الملكية الروحي”. انحياز الكاتب لتراب جده (الشيخ حيي) على حساب تراب جده (الشيخ أحمد) يرمز إلى قوة التأثير العاطفي والتربوي للأم في تشكيل الوعي بالتاريخ، وكأن التاريخ يُورث عبر “الأمومة” لا “الأبوة” فقط.

رمزية الفتوى

​الفتوى في النص هي الرمز الأكثر غموضاً.

الدلالة: الفتوى ترمز إلى “السبب المفقود”. هي كلمة تختزل “الشرعية”؛ فالمهاجر لا يترك أرضه إلا بمسوغ قوي. 

تحول “الفتوى” من طلب للعلم إلى سبب للهجرة يوحي بأن الأجداد ربما هربوا من “فتوى جائرة” أو بحثوا عن “ملاذ فكري” لا يضطرهم للصدام مع السلطة في موطنهم الأصلي.

رمزية “القرود” مقابل “الناس”

​”ربما أنّ قرودها كانوا أكثر من ناسها”..

الدلالة: استخدام رمزية “القرود” يعزز صورة الوحشية والبدائية للمكان قبل وصول الأجداد. وهو يبرز دور “الإنسان المهاجر” كعنصر “مدني” جاء ليطوع الطبيعة المتوحشة. 

هذا التضاد يرفع من قيمة “المغامرة” التي قام بها الأجداد؛ فتركوا العمران (حضرموت) ليؤنسوا الوحشة (الجبال).

ملاحظة فنية

​يلاحظ تكرار أدوات الاستفهام (كيف؟ من أين؟ ما الذي؟ هل؟). لغوياً، هذا يحول النص من “سرد يقيني” إلى “بحث تساؤلي”. 

الكاتب لا يملك إجابات، بل يملك “دهشة”، وهذه الدهشة هي التي تجعل القارئ شريكاً في استنطاق التاريخ.

القراءة السياسية

قراءة نص أحمد سيف حاشد من منظور سياسي تنقلنا من مجرد حنين للماضي إلى فهم “ديناميكيات القوة” والهجرة كفعل سياسي احتجاجي أو اضطراري. 

النص يطرح إشكاليات السلطة، الملاذ الآمن، وتشكيل الهويات الجهوية في اليمن.

فعل “خروج” سياسي

​يتساءل الكاتب عن “أعمال قمع وملاحقة سلطات”. 

تاريخياً، الهجرة من مراكز الثقل (مثل حضرموت) إلى الأطراف الوعرة (مثل القبيطة) غالباً ما تكون “هروباً من الاستبداد”.

الجغرافيا كموقف سياسي

 اختيار “الجبال العالية” و”المناطق الحصينة” هو قرار سياسي بامتياز. فالجبل في التاريخ اليمني يمثل “المجتمع اللا-دولة”، حيث يلوذ الأفراد بالتضاريس الصعبة للإفلات من الجبايات، التجنيد القسري، أو القمع الفكري.

تجاوز مئات الأمكنة

إشارة الكاتب لتجاوز الأجداد لمناطق “جاذبة” ليستقروا في “منطقة نائية” تعني أن الهدف لم يكن اقتصادياً محضاً، بل كان البحث عن “الفراغ السلطوي”؛ أي مكان لا تصل إليه يد الدولة المركزية أو السلطنات المتصارعة.

الصراع الأيديولوجي والسياسي

​عندما ذكرت الأم أنهم جاءوا “يبحثون عن فتوى”، فإنها تفتح باباً لتأويل سياسي.. 

الهروب من الصراع المذهبي

في القرن الثامن عشر، شهدت اليمن تحولات مذهبية وسياسية كبرى. ربما كانت “الفتوى” رمزاً للخلاف مع السلطة الدينية القائمة في حضرموت، أو هروباً من حكم يراه المهاجر غير شرعي.

تصدير النخبة

قدوم شخصيات بلقب “شيخ” (بما يحمله من ثقل ديني واجتماعي) يشير إلى انتقال رأس المال الرمزي. 

سياسياً، هؤلاء المهاجرون لم يكونوا رعايا عاديين، بل كانوا “قادة رأي” أسسوا لمجتمعات جديدة تمزج بين الفقه (القادم من حضرموت) والقبلية (الموجودة في القبيطة).

سوسيولوجيا السلطة والمكانة الاجتماعية

لقب الشيخ

يحلل الكاتب اقتران الاسمين بلقب “الشيخ” لمكانتهما “الاجتماعية والدينية”. 

سياسياً، هذا يشير إلى تشكّل “أرستقراطية هجرية”. فهؤلاء القادمون لم يندمجوا كأتباع، بل كـ “أقطاب” (مزارات، أضرحة، فتاوى)، ما منحهم سلطة روحية وزمنية على السكان المحليين (الذين وصفهم الكاتب بالقلة).

المزار كمركز قوة

الاهتمام بمزار “الشيخ حيي” أكثر من “الشيخ أحمد” يعكس صراعاً صامتاً على “الشرعية التاريخية” داخل الأسرة الواحدة، وكيف تُبنى الوجاهة السياسية من خلال حراسة التراث الروحي للأجداد.

الأمن مقابل الرفاه

​يضع الكاتب معادلة سياسية واضحة: لماذا تركوا “عِز حضرموت” (الاستقرار الاقتصادي) مقابل “الوعورة” (الأمن)؟

و​هذا يعكس مبدأ سياسي قديم: تفضيل الحرية في مكان موحش على التبعية في مكان مرفه.

الدولة واللادولة: حضرموت في ذلك الوقت كانت تمثل “مراكز دول” وسلطنات، بينما كانت جبال القبيطة تمثل “المناطق العاصية” التي توفر حماية ذاتية لسكانها بفضل حصانتها الطبيعية.

خلاصة

​نص أحمد سيف حاشد هو تدوين لعملية “نزوح سياسي” قديم. الأجداد في النص ليسوا مجرد مسافرين، بل هم “لاجئون سياسيون” أو “مبشرون بفكر” وجدوا في جغرافيا اليمن القاسية ما لم يجدوه في سواحلها الفسيحة: الأمان من الملاحقة.

القراءة الأنثروبولوجية

نص “أجدادنا من حضرموت” يذهب إلى ما هو أبعد من الوقائع التاريخية، ليستنطق “الثقافة المادية والروحية” وكيفية تشكل الهوية الجماعية عبر التفاعل مع المكان والمقدس.

الجبل كفعل استقرار

​في الأنثروبولوجيا اليمنية، الجبل ليس مجرد تضريس، بل هو “بنية ذهنية”.

التكيف البيئي

يصف الكاتب القرى بأنها “متناثرة” و”متعبة”. وهذا يعكس نمط الاستيطان المرتبط بـ “اقتصاد الندرة”، حيث يتم توزيع السكان في مجموعات صغيرة حول موارد المياه (الأودية) أو في القمم (للدفاع).

الانتقال من “الأفقي” إلى “الرأسي”

الانتقال من حضرموت (جغرافيا منبسطة وأودية مفتوحة) إلى القبيطة (جغرافيا عمودية) يعكس تحولاً في النمط المعيشي من “التجارة والترحال البيني” إلى “الزراعة المدرجية والاستقرار الدفاعي”.

نظام القرابة والنسق الأبوي

​يتمحور النص حول “أسطورة الأصل” (Origin Myth)، وهي ركن أساسي في دراسة القبائل والمجتمعات التقليدية.

الجد المؤسس (The Founding Father)

“الشيخ حُييّْ” و”الشيخ أحمد” ليسا مجرد فردين، بل هما “توتَم” العائلة أو القبيلة. الأنثروبولوجيا تفسر التركيز عليهما بأنه محاولة لمنح الجماعة “شرعية وجودية” في أرض غريبة.

تغييب “حوّاء”

تساؤل الكاتب “ولا نعلم إن كان لحوّاء معهم وجود” يجسد بوضوح النمط الأنثروبولوجي للمجتمعات الأبوية (Patrilineal)، حيث يُحفظ نسب الرجال وتُسقط النساء من الذاكرة السلالية الرسمية، رغم أنهن المحرك الفعلي للاستقرار الديموغرافي.

التبرك والقداسة

​يشير النص إلى ظاهرة “الولي المهاجر”، وهي ظاهرة منتشرة في اليمن.

المزار كمركز للهوية

تحول قبر الجد إلى “مزار” هو عملية تحويل “الغريب المهاجر” إلى “مقدس محلي”. هذا يمنح العائلة القادمة من بعيد سلطة روحية تجعلها مقبولة وسط السكان الأصليين.

طقس “اللفح”

(أخذ التراب من القبر) هو طقس أنثروبولوجي يربط بين “الجسد” و”الأرض”. التراب هنا هو حلقة الوصل بين الأحفاد والأجداد، وهو فعل استحضار للقوة (البركة) الكامنة في الجد المؤسس.

الذاكرة الشفوية

​عندما يعجز العقل عن تفسير الهجرة القاسية، تلجأ الذاكرة الشعبية لـ “التعليل الغيبي أو الثقافي”.

الفتوى كدافع

الأنثروبولوجيا ترى في “البحث عن فتوى” رمزاً للانتقال من “الجهل” إلى “العلم”، أو من “الفوضى” إلى “النظام”. 

وقدوم الغريب “المتعلم” إلى مناطق “االوحشة” يكرس صورة المهاجر الحضرمي كـ “عامل تمدين” (Civilizing Agent) في المرتفعات.

خلاصة

​نص حاشد هو رحلة في “اللاوعي الجمعي” لليمنيين. إنه يوضح كيف يبني المهاجر “وطناً” من خلال زرع أسماء أجداده في التراب، وتحويل ذكراهم إلى مزارات، وخلق قصص (مثل الفتوى) لتبرير المعاناة. هي قصة تحول “الغريب الحضرمي” إلى “أصل جبلي” متجذر.

شخصية الكاتب

من خلال هذا النص السردي المتأمل، تبرز ملامح شخصية أحمد سيف حاشد كشخصية مركبة تمزج بين الروح الثائرة والعقل التحليلي. 

هو ليس مجرد “ناقل” لقصة أجداده، بل هو “محقق” يعيد قراءة الماضي بعين الحاضر.

الشخصية التساؤلية

​الكاتب لا يقبل المرويات الجاهزة كحقائق مطلقة. والنص يفيض بأسئلة “كيف؟” و”لماذا؟”. وهذا يعكس شخصية عقلانية ترفض السرديات الرومانسية للأصول وتتجه نحو البحث عن الدوافع الواقعية (السياسية والاقتصادية). 

هو يمتلك “قلقاً معرفياً” يجعله يبحث عن الحقيقة وراء الأسطورة (مثل شكّه في قصة الفتوى).

الشخصية الوجودية

​يظهر الكاتب كإنسان شديد الارتباط بجذوره، لكنه ارتباط لا يخلو من الألم. وصفه للقرى بأنها “متعبة” يعكس شخصية حساسة ووجدانية، ترى في تضاريس الأرض تجاعيد وجوه الناس. 

هو لا يرى الجبال كمنظر طبيعي، بل كعبء تاريخي وحياة قاسية شكّلت كينونته.

النزعة الحقوقية

​تساؤله الصادم: “ولا نعلم إن كان لحوّاء معهم وجود”، يكشف عن شخصية منصفة ومستنيرة. في مجتمع يهتم بالنسب الذكوري، يتوقف حاشد ليعيد الاعتبار للمرأة المغيبة في تاريخ الهجرة. 

وهذا يعكس وعيه الحقوقي (الذي عُرف به كبرلماني وقاضٍ) واهتمامه بالفئات المهمشة حتى في التاريخ.

الشخصية المتمردة

​في موازنته بين مزار “الشيخ حيي” و”الشيخ أحمد”، وانحيازه لتراب جدته، يظهر كشخصية تميل إلى كسر القوالب. 

هو يلفح من تراب الجد الذي شجعته أمه عليه، مما يبرز تقديسه للروابط العاطفية المباشرة (الأم) على حساب التراتبية الأبوية الصارمة.

المكاشفة

​لا يحاول الكاتب تجميل الواقع؛ فهو يصف منطقته قديماً بأن “قرودها أكثر من ناسها”. هذه الموضوعية القاسية تدل على شخصية متصالحة مع الذات، لا تشعر بعقدة النقص تجاه الأصول “النائية” أو “الفقيرة”، بل تعتز بالصمود في وجه هذه الوعورة.

خلاصة

أحمد سيف حاشد في هذا النص يظهر كـ “مؤرخ روحي” لمنطقته؛ فهو لا يبحث عن شجرة النسب ليفتخر بها، بل يبحث عن “لماذا نحن هنا؟” ليفهم سر القوة والوعورة التي تسكن في جينات سكان منطقته. 

نص “أجدادُنا من حضرموت” 

أحمد سيف حاشد

قُرانا متناثرةٌ حولَ الوديان وعلى ظهور الجبال العالية.. البعض حاول يعتلي أكثر، وبعضهم مال إلى الاقتراب من الأودية.. قُرانا مُتعِبةٌ مثلَ رجالها، ونسائها وأطفالها.. كيف جئنا إلى هنا؟! ومن أين جئنا؟! وكيف وصلها أجدادنا، قبل مئات السنين؟!

قالوا إنّ جدَّنا جاء من حضرموت إلى هذه المناطق من “القبيطة” قبلَ أكثرِ من ثلاثمائة عام، ويدعونه بـ “الشَّيخ حُييّْ”، وبرفقته عمّه “الشَّيخ أحمد” ومعهما عبد أو أكثر، ولا ندري إن وُجِد في صحبتهم رجالٌ آخرون، ولا نعلم إن كان لحوّاء معهم وجود، أو كانت هي من ضمن الوافدين.

اقترن الاسمان بلقبِ الشّيخ، ويبدو أنَّ سببه يرجع إلى المكانة الاجتماعية، والدّينية الخاصتين بهما.. كانت أمّي تنتسب إلى “الشيخ حُييّْ”، فيما أبي ينتسب إلى الشيخ أحمد.. الملاحظ أنّ الاهتمام بمزار “الشيخ حُييّْ” أكثر من الاهتمام بمزار “الشيخ أحمد” وقد لفَحْتُ بأمر أمي وتشجيعها من تراب قبر جدِّها، ولم ألفَحْ من تراب قبر جدّي من أبي.، ولنا في المقام لاحقٌ وتفصيل.

غير أنّ السؤال: ما الذي دفع أولئك الأجداد أن يتركوا عِزَّ حضرموت وأهلها الطيبين، ويأتون إلى هذه المنطقة النائية البعيدة، صعبة المراس، أو التي لا تخلو من وعُورةٍ باديةٍ للعيان، وربّما أيضاً خالية أو قليلة السكان؟! كيف يتركون حضرموت، ويتجاوزون مئات الأمكنة، في طريق يمتدُّ قُرابة الألف ميل، ليستقرَّ بهم الحال والترحال في منطقة نائية قصيّة ومجهولة، ليس فيها ما يجذب أو يُغري، أو يستحقُّ المغامرة..؟!

ما الّذي دفع أولئك الأجداد أن يتركوا حضرموت أرضاً وبحراً، وسهولاً وشواطئ، وسكاناً، ويعبرون في رحلتهم الطويلة تنوعات بيئيَّةٍ وسكانية كثيرة ومتعددة بعضها جاذب أكثر من هذه المناطق التي حطوا الرِّحال فيها؟! كيف عبروا مسافة ربما قطعوها على الراحلة شهوراً طويلة، لينتهي بهم المطاف في مناطق نائية بعيدة جداً عن أهلهم وذويهم، وتكون هي المستقرُّ الّذي حطوا رحالهم فيه، وبنوا مساكنهم على ظهور جبالها العالية ثم مالوا للانخفاض؟!

سألتُ أمي يوماً عن السبب! فأجابتني بسماعها أنهم جاءوا من حضرموت إلى هذه المنطقة، يبحثون عن فتوى!! فزادني قولها عجباً!! مناطقنا ليس فيها شيوخ، ولم تشتهر بعلم أو بفتوى، وليس فيها كثيرٌ من النَّاس في تلك الأيام، بل ربما أنّ قرودها كانوا أكثر من ناسها، أو الساكنين فيها.. هل أتوا ليعلموا أبناء تلك المناطق التي قدموا إليها على قلتهم بعض العلوم من شرع وفقه ومواريث؟!!

هل هناك أسبابٌ سياسيّة واجتماعية، أو أعمالُ قمعٍ وملاحقة سلطات، أو وجود اضطرابات وعدم إستقرار، أو ما شابه ذلك من الأسباب التي حملتهم على مغادرة حضرموت، والتوجُّه بعيداً عنها إلى مناطق قصيّةٍ وحصينة، أو عصيّة على من كان يفكِّر بالملاحقة أو فرض سلطته عليهم؟!! هل كان وراء اختيار هذه المناطق؛ لتكون موطناً للقادمين إليها، لما توفَّره لهم من أمن وسلام، وحماية؟!! أم أنّ مناطقنا كانت قبل 300 عام مروجاً خضراء وأحراشاً، وغيولاً، وماءً وفيراً جذبت الباحثين عن عيش وحياة أفضل في اختيار من حطوا الرِّحال فيها..؟!!

إنها أسئلة تحتاج إلى بحث للوصول إلى الحقيقة أو إلى الإجابة المقنعة أو مقاربة لما حدث.

* * *

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى