كتبوا عنه

أنقذوا ضميرنا الوطني

برلماني يمني

نايف المشرع

في اليمن، لم يعد الصراع الدائر منذ أكثر من عشر سنوات مجرد نزاع على الشرعية أو السلطة، بل تحوّل إلى حرب عبثية تُدار بإرادات الخارج، يُستنزف فيها الوطن والمواطن، ويُعاقَب فيها أصحاب الضمائر الحية.

القاضي أحمد سيف حاشد لم يكن يومًا مجرد مسؤول أو نائب في البرلمان، بل كان صوتا صريحا منحازا للشعب في مواجهة الفساد والانتهاكات لأكثر من ثلاثة عقود، ورمزا للحرية التي لا تُشترى ولا تُباع.

وحين ألمّ به المرض، واضطر إلى مغادرة صنعاء إلى القاهرة ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحثًا عن العلاج، لم يكن الإهمال محصورا بسلطة الأمر الواقع كما ظن كثيرون، بل ظهر أن الحكومة المعترف بها دوليا كانت الأشد قسوة في معاقبته. تجاهلت المناشدات الشعبية المستمرة المطالبة بإنقاذه، وأدارت ظهرها للنداءات الإنسانية، ولم تعبأ حتى بالمطالب الصادرة عن الاتحاد البرلماني الدولي.

إذا كانت سلطة صنعاء تعاقب حاشد لأنه كان معارضا شرساً لها من قلب العاصمة طوال سنوات، يواجهها بصوته ومواقفه قبل سفره للعلاج، فما عذر الحكومة المعترف بها دوليا؟ من من تنتقم هي الأخرى؟ ولماذا قابلته بكل هذا الجفاء، وهو الذي لم يحمل سوى كلمة الحق والدفاع عن الناس طوال حياته؟

الأشد فجاجة أن هذه الحكومة تدفع لزملائه في البرلمان مخصصات تصل إلى خمسة آلاف دولار شهريًا، بينما تحرم حاشد من حقه، وتمنع عنه ما قد يخفف معاناته، رغم حاجته الملحة للرعاية الصحية. هنا لا يعود الأمر تقصيرا أو نسيانا، بل يصبح تمييزا عقابيا صارخا؛ يُكافأ فيه الصامتون، ويُعاقب أصحاب المواقف.

أي حكومة هذه التي تتجاهل مرض نائب في البرلمان، وتتعامل مع معاناته بروح انتقامية لأنه صاحب موقف ويرفض أن يكون تابعًا؟ وأي شرعية تبقى لسلطة تصم آذانها أمام نداءات الشعب، وتتجاهل المؤسسات الدولية، وتعتبر التنكيل بالأحرار جزءًا من إدارتها للمشهد؟

لقد أثبتت هذه الحكومة أن الاعتراف الخارجي لا يعني شيئًا حين تنعدم الرحمة والمسؤولية. فهي لم تُظهر في قضية حاشد وجه الدولة، بل وجه السلطة المتجردة من الضمير؛ سلطة تعرف كيف تعاقب، ولا تعرف كيف تحمي أو تنصف.

سلطات الآمر الواقع في صنعاء وعدن، كلٌّ بطريقته، تتعامل مع الإنسان كملف قابل للإهمال. لكن ما يضاعف الفضيحة أن الحكومة التي تزعم تمثيل اليمنيين سقطت في الاختبار الإنساني سقوطا مدويا، وبدت أشد خصومة مع الشرفاء من خصومهم أنفسهم.

القاضي حاشد اليوم يخوض معركتين: معركة الجسد المنهك بالأمراض، ومعركة الكرامة في وجه الإهمال والابتزاز. لكنهم، مهما بالغوا في التنكيل به، لن يطفئوا حضوره في وجدان اليمنيين.

لا يخفى على أحد أن الرسالة الأخطر ليست موجهة إليه وحده، بل إلى كل حر ونزيه وشريف: من يرفع صوته سيُعاقب، ومن يرفض الفساد سيُترك لمصيره. إنها سياسة تريد كسر الرموز لتخويف المجتمع كله.

إن استمرار هذا النهج يفضح زيف كل الشعارات، سواء رُفعت باسم الشرعية أو الدولة أو الوطنية أو الدين. فلا شرعية لمن ينتقم من أصحاب المواقف، ولا وطنية لمن يهمل المرضى، ولا سيادة لمن يعاقب الشرفاء على نزاهتهم، ولا دين لمن يصادر الحقوق. ولن يحقق لليمن السيادة الوطنية من ينتقم من الأحرار، ولن يحرر الشعب من المستبدين من يمنع عن الشرفاء حقوقهم المشروعة، وفي مقدمتها الحق في الرعاية الصحية.

القاضي أحمد سيف حاشد لا يتألم وحيداً بل كلنا نتألم على وضعه المأساوي الذي كان صنيعة النخبة السيئة التي تدير البلاد الآن.

إنقاذ أحمد سيف حاشد ليس شأنا شخصيا، بل واجب ومسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية. فحمايته حماية لفكرة العدالة والحرية، وإنصافه إنصاف لكل اليمنيين. أما الصمت على ما يجري، فهو مشاركة في الجريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى