قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «فقدان البوصلة والكلفة وطن»

برلماني يمني
نص «فقدان البوصلة والكلفة وطن» هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد.
انحزت القراءة التحليلية بالاستعانة بتقنيات الذكاء الصناعي.
مدخل
هذا ليس نصًا يُقرأ بعيون عابرة، بل مرآة تمسك القارئ من كتفيه وتضعه فجأة أمام سؤال ثقيل: ماذا يحدث لو فقد وطنٌ كامل بوصلته، ثم واصل السير… وهو يعرف أنه تائه؟
من الجملة الأولى، لا يفتح الكاتب باب الحكاية، بل يشق جرحًا، ويترك القارئ واقفًا عند تخوم الحيرة؛ تلك المنطقة الرمادية التي لا يقين فيها ولا خلاص، حيث يغدو السؤال أثقل من أي جواب.
في هذا النص، لا يكتب أحمد سيف حاشد مقالًا، بل ينزف أسئلة. لا يقدّم موقفًا جاهزًا، بل يستدرج القارئ إلى خلع نظارة الانتماء الضيق، وارتداء رداء «التائه المستنير»، الباحث عن بوصلة ضائعة بين ركام الأوطان.
نقرأ كيف يمكن للقمة لحم، أو رشفة نبيذ، أو غصن قات، أن تتحول إلى موازين قوى ثقافية وأخلاقية، ترفع مجتمعات وتُسقط أخرى، وكيف ينتهي بنا المطاف متوسدين الخيبة في وطن تُعاد فيه تدوير الخراب باسم السياسة.
كلمات النص تلمع في العتمة كشظايا مرآة مكسورة؛ كل شظية تعكس وجهًا من وجوه الغربة والحيرة. إنه ليس سردًا فحسب، بل رحلة في متاهات الوعي الإنساني، حيث تتصادم الثقافات، وتتعرى المفارقات، ويغدو الجسد نفسه ساحة صراع: بين العادة والمنفى، بين القانون والهوية، بين الذات والعالم.
قراءة الكاتب من خلال نصه
يتجلى أحمد سيف حاشد هنا ككاتب خبر التناقض لا بوصفه فكرة ذهنية، بل تجربة معيشة. صوته ليس صوت واعظ ولا خطيب، بل صوت شاهد قلق، يكتب من منطقة الشك الواعي لا من يقين متعالٍ.
هو كاتب يدرك أن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تتكشف شذرات، وأن الوعي لا يتشكل إلا عبر احتكاك مؤلم بالاختلاف. لذلك لا يدّعي امتلاك الإجابات، بل ينحاز إلى تعرية الأسئلة وفضح زيف اليقين الجاهز.
يظهر كغريب يبحث عن وطن، ومواطن يبحث عن معنى. يمتلك شجاعة الاعتراف بضياع البوصلة، وبالهشاشة الإنسانية في المنفى، وبخضوع الفرد لضغط المجتمع حتى في أكثر التفاصيل حميمية.
إنه لا يضع نفسه في مقام المثال، بل يقدّم ذاته بوصفها عيّنة حية في مختبر التجربة الإنسانية، راصدًا وجوديًا يحمل وطنه في جلده، ويرى العالم عبر ثنائيات متصارعة: هنا وهناك، حلال الوطن وحرام المنفى، العادة والقانون.
القراءة الفكرية والسياسية
النص، في جوهره، قراءة سياسية عميقة بلا شعارات. السياسة هنا ليست حزبًا أو سلطة، بل طريقة تفكير، ومنهج حياة، وآلية قمع ناعمة تعيد إنتاج ذاتها عبر العادة والتقديس والخوف.
عند تناوله القات، لا يقدّمه كعادة اجتماعية فحسب، بل كنظام موازٍ: اقتصاد يستنزف الداخل، وهوية تختزل الإنسان، ووطن يدفع ثمن نشوة زائفة. ومن هذا التفصيل اليومي، يتسع المعنى إلى بنية كاملة من الفشل المعاد تدويره.
وحين يقول: «سياسة لا تكف عن التجريب فينا»، فهو لا يشير إلى قرار عابر، بل إلى عقل سلطوي يجعل من المجتمع مادة اختبار، ومن الوطن الكلفة النهائية.
المفارقة القانونية — تجريم القات في سويسرا مقابل التسامح النسبي مع الحشيش — تتحول إلى نقد كاشف لهوية مأزومة، تعجز عن التمييز بين ما هو عادة، وما هو استنزاف وجودي طويل الأمد.
وتأتي الخاتمة كصرخة سياسية موجعة: «بلغنا حدًا لا نتعلم فيه إلا بكلفة وطن».
وهنا لا يعود الوطن إطارًا للخسارة، بل يصبح الخسارة ذاتها.
القراءة الجمالية
جماليًا، يقوم النص على المفارقة بوصفها أداة كشف لا زينة لغوية:
ضفدع يؤكل هنا ويُستقذر هناك،
خمر قبلة عشق في ثقافة وجلد في أخرى،
القات هوية في اليمن وجريمة في سويسرا،
وحليب بالعسل يتحول من براءة إلى تهمة.
اللغة متزنة ومشحونة دون افتعال. الاستعارة حاضرة بلا استعراض، والسرد يتحرك بثقة من الخاص إلى العام، محافظًا على صدقه وتواضعه.
النص هجين يتنفس تناقضاته؛ حوار داخلي دائم، تتعدد فيه مستويات اللغة بين الفلسفي والشعبي والقانوني والصوفي، ضمن نسيج واحد يعكس تشظي الهوية وتعقيد التجربة.
الإيقاع متناوب بين جمل طويلة متدفقة وأخرى قصيرة حادة، فيما تتكثف الرمزية:
القات وطنٌ معاد إنتاجه في المنفى، لحم الخنزير علامة صراع بين العقيدة والضرورة، والحليب بالعسل استعادة لبراءة مهددة بالانكسار.
مسك الختام
في نص أحمد سيف حاشد، لا يخرج القارئ بمعلومة، بل بغصّة. إنه نص يكشف تيهًا جماعيًا: الحليب يُشتبه فيه أنه خمر، والخنزير يُؤكل باضطرار الجوع، والقات يُهدر فيه العمر، أما الوطن… فهو الثمن الباهظ لدروس لم نتعلمها بعد.
الكاتب لا يقدّم حلولًا، بل يرسم خريطة للتيه. واللغة جرح مفتوح ينزف مفارقات، حتى يبلغ الذروة بجملة تفجيرية:
«حتى بلغنا حدًا لا نتعلم فيه إلا بكلفة وطن».
في النهاية، هذا النص رثاء للوعي في زمن فقدان البوصلة؛ حيث كل يقين موضع شك، وكل عادة سؤال، وكل وطن معضلة مفتوحة.
خلاصة مكثفة
• شهادة وعي لا بيانًا أيديولوجيًا.
• مثقف مشتبك مع تجربته لا متعالٍ عليها.
• سياسي بعمقه، إنساني بروحه، جمالي بلغته.
• يفضح التناقض لا لإدانة الآخر، بل لإدانة العمى.
هذا نص لا يمنح الطمأنينة، بل ما هو أثمن: وعيًا قلقًا… وبوصلةً تدعوك لإصلاحها بنفسك
نص “فقدان البوصلة والكلفة وطن”
أحمد سيف حاشد
من دون علم ومنهج قد تجد نفسك حائرًا بين تجاذب وتناقض. تمضي على غير هدى، وقد فقدت البوصلة وأضعت الطريق، لتعود بعد تيهٍ، تمضغ خيبتك، مثقلاً بحيرتك، حاملاً سؤالاً دون جواب.
ويتجلى هذا المعنى في مفارقات شتّى؛ ومن أوضحها المفارقات الثقافية؛ فبينما تتلذَّذُ بعض الشعوب بلحومِ الضفادعِ والفئرانِ والخفافيشِ، معتبرة إياها أطباقًا شهية، تعافُها شعوب أخرى حدّ التقزز، وربما بالغ بعضهم في تقززه فقال: مستعدًّا لانتزاعِ أحشائِه من مكانِها، أو الموتِ جوعاً دون أن يقتات قطعةً منها ولو “بشقّ تمرة”.
وعلى المنوال نفسه يقالُ في التعدُّدِ والاختلافِ حيالَ ما نحتسي. فشعوبٌ تستمرئُ الخمرَ وتستحسنُه، وفيها من يرى لثمة الكأس قبلة شوق وعشق ونشوة، وأخرى تحرّمه وتجرّمه، وتجلدُ شاربَه وتلعنُ حاملَه. وبين قبلة عاشق وجلد شارب فجوة يستصعب ردمها.
وفي المنظومة الواحدة تجد تزمّتًا يضيق على نفسه، وفسحةً تتسع لألف قول؛ ففي النبيذ مذاهب تُجيز احتساءه دون إسراف، وأخرى تقطع بتحريمه قليلَه وكثيرَه. مذاهب تبيحه ما لم يبلغ غليانُه زَبَدَه، وأخرى تحرّم السُّكر إن تجاوز حدَّه، وقيل حدَّه ما لا يفرّق صاحبه بين رجل وامرأة، ولا يميّز بين أرض وسماء. ولكلٍّ حججه وموروثه.
ولعل الحقيقة، أو شذراً منها، تكمن في أن اختلاف الثقافات في جوهره هو نتاج مسار تكويني تضافرت في تشكيله عوامل تاريخيّة وجغرافية واجتماعية، انعكست في أدق تفاصيل الحياة. ولفهم تلك الفوارق، وجب تجاوز التصورات المسبقة التي لا تقود إلا لمعرفةٍ ناقصةٍ أو وعيٍ زائف.
***
في السياق ذاته يبرزُ ‘القات’ في اليمنِ كابتلاءٍ تحول إلى قدر يمتد، وكورثةٍ تدوم؛ آفةٌ تلتهمُ كلَّ يومٍ مالَ المرءِ ووقتَه وصحتَه، وإدمانٌ يستنزفُ الروحَ ويُثقل الجسد. هو إهدارٌ صارخ للمداخيل والمواردِ على حسابِ ضروراتِ الحياةِ، يُبْذَلُ مقابلَ نشوةٍ زائفةٍ وإحساسٍ عابر ومخادع بـ ‘السلطنةِ’؛ حيثُ يشيدُ المرءُ كلَّ يومٍ مملكةً من سراب ووهم.
وفيما يغدو القاتُ في اليمن جزءًا من هويةِ واقتصادِ ونسيج حياةِ يومية، نجد جُلَّ دول العالم تُدرجه ضمن قوائم ممنوعاتها، تجارةً وحيازةً وتعاطيًا، بسبب مكوناته وعناصره، وتُجرِّم اتيان تلك الأفعال بعقوباتٍ صارمة ومغلظةٍ.
هذا التناقض اختبرته عيانًا؛ في مرحلة من إقامتي في سويسرا بين عامي 2008 و2009، بعد تقدمي بطلب حق اللجوء السياسي فيها، وجدت القات مصنّفًا ضمن المواد المخدرة بموجب القانون الفيدرالي، حيث تصل مدة العقوبة فيه إلى ثلاثِ سنواتٍ، وفي حالاتِ خطيرةِ ومشددة قد يصلُ فيها السجنُ إلى عشرينَ عاماً.
ولم يكنْ ما أدهشني حجمَ العقوبةِ فقط، بل المفارقةُ نفسُها؛ فقد كانَ التعاملُ القانونيُّ مع الحشيشِ أخفَّ وطأةً في المنعِ والرقابةِ والعقابِ من القاتِ. ورغم ذلك شاهدتُ في السكنِ الذي أقمتُ فيه، بعضَ طالبي اللجوءِ الصوماليينَ يتعاطونه بسر وكتمان. هكذا رأيت العادة تتحدى القانون وإن كان من خلف جدار، وشاهدت ولع القات يدرك صاحبه حتى في ملاذه ومنفاه.
وما لفت انتباهي أكثر أنه كان يصل إلى أيديهم طريًا كأنه قُطف لتوّه، والأعجب أنهم كانوا على علمٍ بتشدد القانون حياله، ومع ذلك يُقبلون على تعاطيه. وعرفت منهم أن سعره باهظ للغاية. وقد دعاني أحدهم، بدافعٍ من كرم، إلى مشاركة مقيلهم، غير أنني امتنعت، واعتذرت بحجة عدم تعاطيه.
وعلى الضفة الأخرى من المفارقة، كانت لحوم الخنازير في سويسرا متوفرة، لا إثم فيها ولا حرج. أما أنا، ففي غمرة وجودي هناك، أكلت اللحم المتاح دون أن أعلم إلى أي صنف ينتمي: أهو حلال أم حرام؟ هل هو لحم ضأن أم خنازير؟ كل ما كنت أعرفه أن “الجوع كافر”.
***
ولم تتوقف المفارقات عند حدود ما سبق؛ فبين عامي 2012 و 2013، اعتدتُ خلطَ الحليبَ بالعسلِ في قنينةٍ وألفها بلفافة ورباط وأرشف منها كعاشق برفق حنون، وكانت القبلة التي لم تكتمل حيث أقلعت عنها لا لضيقِ ذاتِ يدٍ أو غلاءِ سعرٍ، بل لِمَا لمحتُه من غمزٍ ولمزٍ، لم أدركْ كنهه حتى همسَ في أذني صديقٌ ناصح:
– إنَّ بعض الحضور يسرح بعيدا في سوء ظنّه. سراحًا لا يخطر لك على بال.
عملت بنصيحته؛ فأنقذتني من غمز ولمز، ومن اتهامٍ قد يفضي إلى جلد صاحبه في وسطٍ يستسهل رمي السهام وكيل الاتهامات.
قيل إن الحياة تجارب، وإن المجرِّب لا يُدان بل يُدان من لم يُجرِّب، وقيل أيضًا إن تجريب المجرَّب خطأ مرتين. ولعل مأساتنا الكبرى تكمن في سياسةٍ لا تكفّ عن التجريب فينا، وقد تآكلت تروسها وهي تعيد تدوير نفايات أكل عليها الدهر وشرب، من دون جدوى أو اتعاظ؛ حتى بلغنا حدًّا لا نتعلم فيه إلا بكلفة وطن
***




