قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “من هذا الواقع أتيت..!”

برلماني يمني
ليس كل نص يُقرأ من الصفحة الأولى، فبعض النصوص تُقرأ من الأرض التي خرجت منها، ومن الذاكرة التي تئن بين السطور، ومن التعب المتراكم في الجسد واللغة.
نص أحمد سيف حاشد «من هذا الواقع أتيت..!» والمنشور في كتابه “فضاء لا يتسع لطائر” لا يقدّم نفسه بوصفه حكاية شخصية فحسب، بل يفتح بابًا على عالم كامل من التجربة المعيشة، حيث يتحوّل الواقع إلى شاهد، والمكان إلى قدر، والذاكرة إلى وثيقة.
هذه القراءة لا تتعامل مع النص باعتباره مادة أدبية معزولة، بل بوصفه أثرًا إنسانيًا كثيفًا، تتقاطع فيه السياسة مع الجغرافيا، والأنثروبولوجيا مع الفلكلور، والذات الفردية مع الوعي الجمعي.
وهي قراءة أُنجزت بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي التحليلي، لا بوصفه بديلاً عن الحس النقدي، بل كأداة تفكيك عابرة للتخصصات، قادرة على تتبّع البُنى العميقة للنص، وربطها بسياقاتها الثقافية والاجتماعية والسياسية.
الذكاء الاصطناعي هنا لا يكتب بدل الإنسان، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يعمل كمجهرٍ نقديّ، يُعيد ترتيب الطبقات الدلالية، ويكشف ما يتخفّى خلف السرد، وما تقوله اللغة حين لا تقصد، وما يشهد به النص عن واقعٍ أوسع من كاتبه.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة بوصفها محاولة لفهم النص من داخله ومن خارجه معًا: من داخله، عبر لغته وصوره وذاكرته. ومن خارجه، عبر أدوات تحليل أنثروبولوجية، وسياسية، وجغرافية، وفلكلورية، تضع النص في موقعه الطبيعي؛ كشاهد على واقع، لا استثناءً منه.
إنها قراءة تسعى للإصغاء… لا للحكم، وللفهم… لا للتأويل القسري، ولكشف ما يقوله الواقع حين يتكلم بلسان كاتب جاء منه، ولم يدّعِ يومًا أنه جاء فوقه.
قراءة أنثروبولوجية
الأنثروبولوجيا لا تقرأ النص بوصفه أدبًا فقط، بل باعتباره وثيقة ثقافية ناطقة باسم جماعة، ومرآة لبنية اجتماعية، وتمثيلًا لخبرة معيشة تشكّلت داخل سياق تاريخي وسياسي محدد.
ومن هذا المنظور، فإن نص حاشد ليس اعترافًا ذاتيًا خالصًا، بل سيرة جمعية مقنّعة بصوت فرد.
«الأنا» كـ”كيان جمعي”
اللافت في النص أن الـ«أنا» لا تأتي نرجسية أو متعالية، بل منكسرة ومحمّلة بأثقال الجماعة.
«من هذا الواقع أتيت» هي جملة تُسقِط الفرد من أي امتياز رمزي، وتعيده إلى حقل المعاناة المشتركة.
أنثروبولوجيًا، هنا نلحظ: ذوبان الحدود بين الفرد والجماعة، وتلاشي «الذات الحديثة» لصالح ذات تقليدية/جمعية تشكّلت عبر الفقر، القمع، والحرمان.
الكاتب لا يقول: اخترت هذا الواقع، بل أتيت منه، أي أنه نتاج بنيوي لظروف لم يخترها.
الواقع بوصفه «نسقًا قاهرًا»
الواقع في النص ليس خلفية محايدة، بل:
سلطة، قدر اجتماعي، وبنية قسرية تعيد إنتاج القهر.
من منظور أنثروبولوجيا السلطة: الواقع هنا يماثل ما يسميه بورديو «العنف الرمزي»
القهر لا يُمارَس فقط بالقوة، بل عبر: التهميش، وتطبيع المعاناة، وتحويل الألم إلى أمر اعتيادي.
النص يكشف كيف يتحول الظلم إلى نمط حياة، لا إلى حدث استثنائي.
الجسد كحامل للثقافة
الجسد في النص (حتى إن لم يُذكر مباشرة) حاضر كـ: جسد مُنهك، وجسد مراقَب، وجسد تعلّم الخضوع قبل الكلام
أنثروبولوجيًا: الجسد هنا أرشيف اجتماعي يحمل آثار الفقر، السجن، الإقصاء، والانتظار الطويل.
حاشد يكتب من جسد عاش التجربة، لا من موقع المراقب الخارجي.
الأخلاق بوصفها نتاج معاناة
النص لا يقدّم خطابًا وعظيًا، لكنه يشي بـ: أخلاق نابعة من الألم، وعدالة تُطلب لا من موقع القوة، بل من موقع الضحية.
وهذا يتقاطع مع ما تسميه الأنثروبولوجيا: «الأخلاق السفلى»، أي أخلاق المهمّشين التي تتشكّل في ظروف القهر، لا في صالونات النخب.
الذاكرة والاحتجاج الصامت
«من هذا الواقع أتيت» ليست جملة استسلام، بل: فعل تذكير، وإعادة تحميل للذاكرة الجماعية، ورفض للنسيان.
أنثروبولوجيًا، النص يمارس: مقاومة رمزية، حفظًا للخبرة المهددة بالمحو، وتثبيتًا لسردية المهمّش في مواجهة سردية السلطة.
خلاصة أنثروبولوجية
نص أحمد سيف حاشد: سيرة ثقافية لجماعة مسحوقة، زشهادة على كيف يُصنع الإنسان في مجتمعات القهر، وهو وثيقة تُظهر أن الفرد ليس كيانًا حرًا بالكامل، بل نتاج واقع اجتماعي عنيف
إنه نص يقول: أنا لست استثناءً… أنا القاعدة.
قراءة سياسية
النص لم يُكتب من موقع السلطة، أو المعارضة الرسمية، أو الحزب، أو الأيديولوجيا، بل من موقع المواطن المُعرّى من التمثيل.
سياسيًا، هذا يعني أن الكاتب: لا يفاوض السلطة، ولا ينافسها، بل ينزع عنها شرعية الادعاء بأنها تمثّل الواقع.
«الواقع» كاتهام سياسي
حين يقول: «من هذا الواقع أتيت»
فالـ«واقع» هنا ليس توصيفًا محايدًا، بل: حصيلة سياسات، ونتاج قرارات، ونتيجة بنية حكم.
النص يرفض فكرة أن ما نعيشه: قدر، أو كارثة طبيعية، أو ظرف عابر، بل يلمّح بوضوح إلى أن: الواقع صُنع سياسيًا، ويمكن مساءلته سياسيًا.
تفكيك سردية السلطة
السلطة — أيًّا كان شكلها — تحب سرديات مثل: «المرحلة الاستثنائية»، «العدوان»، «المؤامرة»، «الضرورة الأمنية».
نص حاشد يقابل هذه السرديات بسردية مضادة: سردية الحياة اليومية، الجوع، الإذلال، الانسداد.
سياسيًا، هذا خطير لأن: السلطة تعيش على المجرد، بينما النص يعيد السياسة إلى اللحم والدم.
غياب التسمية
النص لا يسمّي: الحاكم، الحزب، الجماعة.
وهذا ليس ضعفًا سياسيًا، بل: توسيع لدائرة الاتهام، تحميل للمسؤولية لكل من شارك أو صمت أو استفاد.
سياسيًا، الصمت عن التسمية يحوّل النص من: بيان ضد سلطة محددة، إلى إدانة لبنية حكم كاملة.
المواطن كضحية للسياسة
في النص، المواطن: ليس فاعلًا في القرار
ولا شريكًا في السلطة، بل متلقٍ دائم لنتائجها.
وهنا يقدّم النص نقدًا جوهريًا للنظام السياسي: غياب التمثيل الحقيقي، تحوّل السياسة إلى شأن مغلق، وفصل القرار عن أثره الإنساني.
بمعنى آخر: السياسة تُمارَس فوق الناس، لا باسمهم.
السياسة بلا أفق
النص يشي بانسداد: الأمل، التغيير، المستقبل.
وهذا توصيف سياسي بامتياز: انسداد النظام، عجزه عن التجديد، واعتماده على إدارة الأزمة لا حلها.
الصيغة الضمنية للنص تقول: حين تفقد السياسة قدرتها على إنتاج معنى، تتحول إلى عبء.
النص كفعل سياسي
حتى دون دعوة صريحة: النص يُحرج السلطة، ويفضح هشاشتها الأخلاقية، ويسحب منها احتكار تعريف «الواقع»
سياسيًا، الكتابة هنا: ليست برنامجًا، ولا شعارًا. بل فعل مقاومة معرفية
خلاصة مكثفة
نص «من هذا الواقع أتيت..!»: اتهام سياسي بلا خطابة، ونقد جذري بلا أيديولوجيا، ومساءلة للسلطة من موقع الإنسان.
وحاشد في النص يقول للسياسة: لستِ معفاة من الحساب لأنك ترفعين شعارات كبيرة، ولا لأنك تحكمين باسم الضرورة.
قراءة جغرافية
القراءة الجغرافية للنص مختلفة،فهي أقلّ بلاغة، لكنها أكثر صلابة، وتتعامل مع النص بوصفه نتاج مكان لا مجرد موقف أو تجربة ذاتية.
المكان
المكان هنا، ليس خلفية… بل فاعل جغرافيًا، والنص لا يُكتب في مكان، بل يُكتب منه.
المكان هنا: ليس اسم مدينة، ولا خريطة محددة، بل حيّز اجتماعي – سياسي مضغوط.
الواقع الذي “أتى منه” حاشد هو مكان: محدود الحركة، محاصر الخيارات، خانق الإمكانيات.
وفي الجغرافيا السياسية، هذا يسمى: مكانًا مُنتِجًا للقيود.
الجغرافيا كحكم غير معلن
النص يفترض ضمنيًا أن: الولادة في مكان معيّن؛ تعني مسارًا محددًا في الحياة.
وهذا لبّ القراءة الجغرافية: المكان يسبق القرار، وفي اليمن؛ الجغرافيا ليست محايدة: مناطق مهمَّشة، أطراف منسية، مراكز تبتلع الموارد، وهوامش تدفع الثمن.
ونص “حاشد” (من هذا الواقع أتيت) يعكس هذا التفاوت دون أن يسميه.
المسافة عن المركز
هناك إحساس دائم في النص بـ: البُعد، الإقصاء، عدم الوصول.
جغرافيًا، هذا يعكس علاقة: مركز / هامش.
فالمركز: يقرّر، يملك، يعرّف الواقع.
والهامش: يتلقى، يتكيّف، يعيش النتائج.
الكاتب يعلن انتماءه للهامش لا بوصفه موقعًا فقط، بل قدرًا مفروضًا.
الجغرافيا والعنف البطيء
النص يحمل أثر ما تسميه الجغرافيا النقدية: العنف البطيء، وهو: ليس قصفًا، ولا معركة. بل: فقر مزمن، خدمات غائبة، زمن مهدور، وفرص لا تأتي.
هذا العنف: جغرافي في جوهره، يضرب أماكن بعينها، ويُراكم البؤس بصمت.
المكان كهوية سياسية
حين يقول حاشد: من هذا الواقع أتيت؛ فهو يعلن: هوية مكانية؛ لا أيديولوجية.
الهوية هنا: ابن الحيّ، ابن الهامش، ابن المسافة عن القرار.
وهذا موقف جغرافي – سياسي: الانتماء للمكان قبل الانتماء للشعار.
جغرافيا مسدودة
النص يخلو تقريبًا من: سفر، انتقال، أفق مفتوح.
وهذا مهم جغرافيًا: المكان مغلق، الحركة محدودة، الخروج صعب أو مستحيل.
الجغرافيا هنا تتحول إلى سجن مفتوح.
خريطة معاناة
يمكن قراءة النص كـ: خريطة غير مرسومة، تُظهر: أين يتكدّس الألم، وأين يغيب القرار، ومن يدفع ثمن الموقع.
“من هذا الواقع أتيت” هو نص يرسم فيه حاشد؛ جغرافيا القهر بدل جغرافيا الطرق.
خلاصة جغرافية
نص أحمد سيف حاشد يقول: لم أولد فقيرًا لأنني كسول، ولم أعش القهر لأنني اخترته. بل لأنني وُلدت في مكان معيّن.
جغرافيًا: المكان هنا ليس أرضًا فقط، بل نظام توزيع غير عادل للحياة.
القراءة الفلكلورية
النص لا يقدم حكاية أسطورية أو خرافة، لكنه يحكي خبرة الناس.
الكلمات والمواقف تنبع من الحياة اليومية: الفقر، الانتظار، القهر، الصبر.
هذه الخبرة تشبه في شكلها القصص الشعبية أو الأمثال التي تحمل حكمة مختزلة عن الواقع.
النص يوثق حكمة المهمشين، دون أن يكونوا فاعلين رسميًا.
الواقعية الشعبية
النص يربط بين الإنسان ومحيطه اليومي، كما تفعل الفلكلوريات:
الجسد كأداة خبرة: التعب، الجوع، التعبير الصامت.
المكان: الحي، الزقاق، الباحة، المساحات المحدودة.
الزمن: الليل الطويل، الانتظار، المواعيد غير المحددة.
كل هذه عناصر تذكّرنا بـ: السرد الشعبي الذي يصف الواقع كما هو، ليس كما نريده أن يكون.
الرموز الضمنية
حتى لو لم يذكر نص حاشد رموزًا مباشرة: «الواقع» نفسه يصبح رمزًا للفقر والقهر. والغياب أو الانقطاع عن مركز القرار: رمز للهوامش والبعد عن السلطة.
«أتيت منه» رمز للانتماء للأرض، للهوامش، مثل الشخصيات الشعبية التي تحمل جذورها أينما ذهبت.
والرموز هنا مجردة لكنها حية، مأخوذة من خبرة الجماعة.
الخبرة الموروثة والمعاناة الجماعية
النص يشي بـ: قصص لا تُحكى إلا بصمت
حكايات «أجدادنا لم يخبرونا عنها»
معاناة تنتقل من جيل إلى جيل
من منظور فلكلوري، يمكن القول أن النص هو: حكاية شفوية مكتوبة، تستعيد الذاكرة الجماعية.
البعد الأخلاقي الفلكلوري
الفلكلور غالبًا يحمل رسائل أخلاقية: الصبر، الحذر، العدالة، التواضع.
نص حاشد “من هذا الواقع أتيت” يذكّر الناس بأهمية الصمود، ويفضح الظلم، ويحافظ على الذاكرة الجماعية.
الأخلاق هنا ليست دينية أو فلسفية فحسب، بل مستمدة من الحياة الواقعية للناس.
المقاومة الشعبية الرمزية
في الفلكلور، البطولات غالبًا: ليست صاخبة، لكنها صامتة، مقاومة صغيرة في الحياة اليومية.
النص يفعل الشيء نفسه: الكتابة تصبح طقسًا فلكلوريًا للمقاومة، وسردية من الحي، عن الواقع.
خلاصة فلكلورية
النص يشبه حكاية شعبية مكتوبة عن المعاناة اليومية. الواقع والهامش والجسد: كلها رموز فلكلورية.
الكتابة تحفظ خبرة الجماعة، وتحولها إلى مرآة أخلاقية وصوت مقاومة صامت.
نص “من هذا الواقع أتيت..!”
أحمد سيف حاشد
سكانُ أريافنا فقراءُ على العموم، وبعضهم مُعدمون، يعيشون شظف العيش وبؤس الحال.. يكابدون ويكدحون من فجر الله حتى مغيب الشمس، من أجل لقمة عيش كريمة يكسبونها بكدهم وعرق الجبين. لقمة العيش في جبالنا صعبة المنال تُدمي القلوبَ والأظافر.
جبالنا وعِرةٌ وشامخة، وطينها قليل وعزيز. الأشجار تغالب الحمأ والظمأ، وجذور السِّدر والعوسج و”العسَق” مثلنا، تشق لها طريقاً صبوراً ومتحدياً الصخر والجبل. إنه الصراع مع أقدارها، وتحديها المستميت والمنتصر.
في ليالي الصيف لا تهنأ بنوم دون تنغيص أو عراك.. البعوض يحوم عليك ينتظر وجبته الشهية من دمك.. دمك المحلّى بالسهر.. يستفزك طنينه ويؤذي طبلتك.. يدعوك إلى نزال أو عراك.. تغطّي وجهك وتشيح عنه، فيطبق عليك الليل كتمة.
وإن عرّيت وجهك للهواء، هاجمك من كل حدب وصوب.. عليك أن تقضي معه، بعضاً من الليل في معمعة.. تشعل النار في حفنة من روث البقر المجفف، لتطرده بالأدخنة، لتنام مهدوداً بالعراك والتعب، وقلقك يقلقل داخلك يرفض أن ينام.
وفي الشتاء يأتي الصقيع، ويصيب وجهك وما غزاه الصقيع المكرر بما كنّا نسميه “الحَبَر”.. لا سكينة ولا دعة، لا في شتاء ولا صيف.. أيامنا كلها عراك وشدة.
الزراعة موسميّة، وأغلب المواسم “تَخيب ولا تصيب”.. كثير من السُّحب كاذبة، وإن بَدَتْ وكأنها مثقلة بالغيث الغزير، ثمَّ تكتشفُ بعد فترة لا تطول أنّها خادعة لا تحمل غيثاً ولا مطراً.. مقالب الأقدار كثيرة؛ قليلة هي المواسم الّتي أوفَتْ وجادت بالغيث من موعد البَذْر حتى موعد حصاده.
أيام النزاف، الماء شحيحٌ.. النّسوة يخُضنَ معاركَ ضروسةً ولساعاتٍ طوال؛ من أجل جلب الماء من أمكنة بعيدة. المرأة تقضي -أحيانا- ثُلثَ نهار أو ربع ليلٍ؛ لتظفر بدبّة ماءٍ واحدةٍ لا تزيد سعتها عن عشرين لتراً.. النِّساءُ لا يظفَرنَ بالماء أيام النّزاف إلّا وقد بلغت قلوبُهنَّ الحناجر.
كان الجوع يعصر البطون، وحزام الفاقة يضعون تحته حجراً، وسوء التّغذيةِ رفيقٌ حميم، والموت طليقٌ يخطَف مَن يشتهي، وأغلب من يخطفهم الموتُ ويشتهيهم أطفالٌ وصبية، وشبابٌ بعمر الزّهور. في مناطقنا لطالما اجتمعت علينا المخاوف الثلاث؛ فقرٌ ومرضٌ وجهل، وزائد عليهن وبالٌ وكُربة.
أيّامُ عيدِ الفِطر وعيدِ الأضحى هي أيّام فرح العام، وقلّما يجد الفرح متّسعاً في غيرها.. أغلب الناس يشترون الثياب الجديدة، مرة واحدة في السنة، يلبسونها أيام عيد الفطر ثمّ يحتفظون بها لعيد الأضحى؛ ليرموا “عصفورين بحجر واحدة” كما ورد في المثل، وأنا أحب العصافير، ولا أرميها بحصاةٍ أو حجر.
قليلون هم أولئك الذين بمقدورهم شراء الملابس مرتين في العام.. الثياب المشتراة متواضعة ثمناً وجودة.. لا نعرف من أين أتت، وفي أي بلاد صنعت. لا نعرف اي نوعٍ هي، وما هي ماركتها.. يكفي أنها جديدة، تم شراؤها من السوق، لنلبسها بفرح يوم العيد الذي انتظرناه بفارغ الصبر.
في أريافنا، كان الصراع مريراً من أجل الحياة.. الحرمان يشبهنا وهو موطننا وفيه نقيم، لا يغيب ولا يُغتاب، ولا يفارق، لكأنه رفيق حميم، أمّا النادرُ فلا حكم له.
أغلب النّاس يأكلون لحم الماشية في عيد الأضحى، وقلة هم من يستطيع أن يأكل لحم الضًّأن في العام مرتين؛ وربما يتذوقونه في مولد أو موت أو ولادة.. وإن رُمت لأكل صدر دجاجة في غير أيام الفرح، فما عليك إلّا مُلازمةُ المرض، أوحنون يحبُّك ويهتمُّ بِك.
* * *
أمَّا أنا فكان لا يروقُني أن يُذبح من أجلي ديك أو دجاجةً، وربما كابرتُ يوماً وامتنعت وأمعنت بالتحدي، وقلت حتى وإن بلغت “الصفراء” رأسي، وبلغ السلُّ مخَّ العظام.. كان وجداني حساساً وكنتُ في وجداني غريقاً، لا أريد أن أكون سبباً في إقصار عمر أو إزهاق روح.
لطالما أحجمتُ عن ما أشتهي، لأطيل عمر ديك أو دجاجة، وأشعر بسعادة هذا البقاء الذي أحجمُ قدر ما أستطيع عن التورط في وضع نهاية لحياة يمكنها أن تطول، ولطالما أحسست بهذا الشعور الكثيف.
ولكن ابتكرت أمي طريقة، أو لعلها نقلتها، أو تذكرتها، أو استدراج وترغيب في مغالبة رفضي لذبح ديك أو دجاجة، فتخبرني أنها إذا ذبحت ديكاً أو دجاجة تستطيع أن ترى من الذي سيموت قريباً، وذلك من خلال معاينة ثقب في عظمة صدر الديك أو الدجاجة، والتي ستخبرنا إن كان الميت القادم صغيراً أو كبيراً.. فنظل نترقب من سيموت في القريب.
كانت أمّي تعاين عظمة الصدر فإن كان يميل إلى الحُمرة فتقول إنه سيحدث مطر في الأيام القليلة القادمة.. وكانت تفعل الشيء نفسه عندما تكون الذبيحة “ماشية” من خلال عظمة في الذبيحة نسميها “المكحفة”.. أذكر أن يوماً أخبرتنا فيه أن واحداً كبيراً وعظيماً سيموت، فمات الرئيس جمال عبدالناصر بعد أيام أو أسابيع قليلة، وكنا نحبه كثيراً.
كانت أسرتنا كبيرة نسبيا في عددها، فيجري توزيع لحم الديك أو الدجاجة بين إخوتي وأبي وتخصني بصدر الدجاجة أو بأكثره.. فتقول أمّي الجخجوخ للشيبة الملدوخ، والرقبة لصاحب العتبة، والجناح للولد الطماح، الصدر الذي نسميه “السكاب” لطالما خصتني به، ولم أعد أذكر البقية، وهي الأرجل والرأس، ولكن كانت تخص أبي بالجخجوخ، وربما تضيف اليه شيئا آخر.
* * *
وعندما شببتُ وكبرتُ أدركتُ أن تغيير الوعي أمر صعب ومعقد ويحتاج للكثير، وأن تغيير الواقع من الإنسان إلى الرفق بالحيوان يفوق قدرتي، وليس بإمكاني أن أرسي قوانيني في عالم أشعر أنه يعج بالفوضى و”العبث”، وعادات وأعراف وتقاليد ثقيلة تأصلت في مجتمع ربّما لآلاف السنين.
من هذا المجتمع ومن هذا الواقع الصعب أتيتُ.. مجتمع أتيت إليه مُرغماً أو مرتاباً أو غير مختار.. مجتمع يحتاج إلى ألف معجزة وألف سنة ليكون على النحو الذي أحلم به أن يسود.. أحلم بعالم آخر غير متحقق، أو غير مقدور عليه.
* * *




