كتبوا عنه

بِمَ التَعَلُّلُ؟.. حين يصبح العدم منطلقاً للكبرياء

برلماني يمني

شراع نشوان

الإهداء: إلى رجل الكفاح والمعرفة الاستاذ أحمد سيف حاشد

بِمَ التَعَلُّلُ لا أَهلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ

​حين يبدأ المتنبي بعبارة “بِمَ التَعَلُّلُ؟”، فهو لا يطرح سؤالاً عابراً، بل يبدأ بإنكارٍ واستهلالٍ ينفي فيه وجود أي مبرر للاستمرار في مجاراة الحياة بابتسامة مصطنعة؛ إنه تجريدٌ كامل من كل أدوات “التعزي” أو الصبر الإنساني المعتاد.

وتكمن عظمة هذا المدخل الزلزالي في كثافته البنائية الفائقة، حيث هدم في شطرين فقط خماسية الاستقرار الإنساني: (لا أهلٌ لفقدان السند، ولا وطنُ لفقدان الأمان، ولا نديمٌ لغياب الصديق المشارك للهم، ولا كأسٌ لغياب أداة التناسي، ولا سكنُ لفقدان الاستقرار المادي والنفسي).

هذا التوالي السريع لـ “لا” النافية يمنح النص إيقاعاً متلاحقاً يشبه زفرات الألم، ليقدم لنا نفساً معزولة تماماً، جُردت من كل الممسكات التي تجعل الإنسان قادراً على تحمل وطأة الزمن والجسد.

​ومع ذلك، فإن المذهل في هذا المدخل أنه يجعل من “الانكسار” نقطة انطلاق لقوة كبرياء مفرطة؛ فمن هذا العدم الشامل والوحدة القاتلة، يولد التحدي الوجودي الذي يتبلور لاحقاً في قوله: “لا تلقَ دهرك إلا غير مكترثٍ”. وكأن لسان حاله يقول: ما دام كل شيء قد رُفع، فلمَ الاكتراث أصلاً؟

​إن هذا البيت، إذ يلمس أعمق نقطة في الوجع الإنساني، يغدو سلواناً للنفس؛ فهو يُثبت أن عجز المواساة الخارجية يتحول في المحن إلى قوة داخلية صامتة.

لقد سلب المرض والغربة من المتنبي الكثير، لكنهما لم يسلبا منه عمق الفكرة وكبرياء الكلمة.

وتذكر هذا الوجع التاريخي المكتوب بماء الذهب يُهون على النفس وجعها الحالي، مؤكداً أن الآلام والظروف تزول وتتلاشى، بينما يبقى الأثر الإنساني النبيل والصبر الجميل شاهداً خالداً على قوة الروح وعلوّها فوق عوارض البدن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى