مذكرات

غصة نائب.. أنا طريد صنعاء وعدن

برلماني يمني

من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة.

السلسلة الثامنة

غصة نائب

(5)

أنا طريد صنعاء وعدن

أحمد سيف حاشد

في أكتوبر 2006، اختفى علي الديلمي، المدير التنفيذي للمنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات، من مطار صنعاء أثناء استعداده للمغادرة إلى كوبنهاغن للمشاركة في فعاليات تُعنى بحقوق الإنسان. مُنع من حقه في السفر، وأُخفي قسراً، من دون أن نعرف إلى أين نُقل، ولم تُوجَّه إليه أي تهمة من أي جهة.

كل ما نعرفه عنه أنه ناشط حقوقي، سبق أن نظّم عدة وقفات احتجاجية باسم المنظمة التي يرأسها، للمطالبة بإنصاف شقيقه يحيى الديلمي، الذي حُكم عليه بالإعدام في محاكمة غير عادلة. وكان ذلك كافياً لاعتقاله ومعاقبته والتضييق عليه.

في اليوم التالي، توجّهنا إلى مكتب النائب العام، وكنتُ برفقة رشيدة القيلي، ورضية المتوكل، ومحمد مفتاح، وآخرين. ثم انتقلنا إلى بوابة الأمن السياسي في صنعاء، حيث نظّمنا وقفة احتجاجية واعتصاماً للمطالبة بالكشف عن مصيره والإفراج عنه، بعد أن بلغتنا معلومات تفيد بأن الأمن السياسي هو من اعتقله في المطار، في حين كان الجهاز ينكر وجوده لديه وينفي اعتقاله.

إن طريقة اعتقاله وإخفائه، وعدم إبلاغ أسرته بمكان احتجازه، إلى جانب تنصّل الجهات الأمنية من مسؤولية توقيفه واحتجازه، جعلت احتمال تعرّضه للتعذيب والتنكيل أمراً وارداً.

كنّا نوقن أنه لا سند قانوني يسوغ منعه من السفر، فكيف بتوقيفه أو احتجازه؟

وفي الاعتصام كانت معي كاميرا، أحضرتها معي وأخفيتها في الجيب الداخلي لمعطفي. أخرجتها من مخبئها لألتقط صورة الاعتصام.. ناولتها أحد المعتصمين ليلتقط لحظات جمعنا. وما إن التقطت عيون حراس بوابة الأمن السياسي وميض الفلاش حتى انقضّوا علينا انقضاض الثيران، يبتغون الكاميرا. ولما رأيتهم يشقّون جمعنا نحوي، أدرتُها خلسةً إلى رضية المتوكل التي كانت تقف خلفي، فاشتدّ هياجهم حين لم يجدوها في يدي.

حاولت أن أُعرّفهم باسمي وصفتي. أخبرتهم أنني عضو مجلس نواب، ولكن هذه الصفة لم تشفع لي، فجهل الأمن كان أكبر من شعب أمثله.

ليس للشعب في ميزان جهل رجال الأمن أكثر من وزن الريشة. غير أن الصورة ترعب رجال الأمن، والكاميرا سلاح يزلزلهم.. جهاز قمعي ذو سطوة وسلطة، ومع ذلك تُرعبه كاميرا؛ أفراده وضباطه ومسؤولوه رعاديد. ولا تستغرب أن ترى كاميرا واحدة تُلقي في نفوسهم كل ذلك الهلع والجزع والاستنفار.

في اللحظة التي كان رجال الأمن يحاولون فيها انتزاعي من بينهم بالقوة، شعرتُ بحميمية جارفة تجاه المعتصمين.. رأيتُ رشيدة القيلي وهي تتصدى لهم بشجاعة، وشاهدتُ محمد مفتاح وهو يحاول الاشتباك معهم بالأيدي للحيلولة دون انتزاعي من أحضانهم. ورأيتُ البقية وهم يحمونني بأجسادهم، رجالاً ونساءً. كيف أنسى موقفاً كهذا؟ إنه وشمٌ في الذاكرة والوجدان لا تمحوه تقادم السنين.

عزم الحراس على سحبي بالقوة من بين المعتصمين، فيما قرر المعتصمون الذود عني مهما كلّف الأمر.. شعرتُ أن الموقف ماضٍ إلى صدام بين الحراس وضباط الأمن السياسي من جهة، والمحتجين من جهة أخرى، وأن كلفة الصدام ستتفاقم؛ فقررتُ أن تكون أقل، وأقنعتُ المعتصمين بأنني سأذهب معهم طوعاً، وبمحض إرادتي.

اقتادوني إلى الداخل، وكان شكلي، كما وصفتُ المشهد يومها، مثل طِمرٍ أبيض يقوده ليلٌ داجٍ إلى جُحرةِ النَّتَن.

ضابطٌ ساديٌّ متحفّز كان ينتظر قدومي؛ فارعُ الطول، حادُّ الملامح. خُيّل إليّ أن عينيه تقذفان نحوي شرراً من الكراهية والحقد الدفين، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل. شعرتُ بأنه يتحيّن الفرصة لممارسة ساديته على جسدي، ولا ينتظر سوى الأوامر لينقضّ عليّ.

في الداخل، تبيّن لي أن ما كتبته لم يكن مبالغة. وأيقنتُ أن الحديث عن القانون والدستور وكرامة الإنسان هناك، أشبه بالحديث عن الجنة في جُحر الثعابين. عالمٌ آخر، شديد القسوة والاغتراب، وللحديث بقية.

خرج علي الديلمي بعد قرابة الشهر من اعتقاله وإخفائه القسري، وعقد مؤتمراً صحفياً كشف فيه جانباً مما تعرّض له في المعتقل، ومن جملة ما قاله:

«أدخلوني في زنزانة مترين في متر وشوية، الإضاءة قوية جداً، جردوني من ثيابي وألبسوني ثوباً آخر، وحرموني من دواء قرحة المعدة، وضربوني وهدّدوني باختطاف عائلتي، وأكرهوني على البصم والتوقيع على أوراق فارغة». 

لم تكن دعوتي يومها مجرد احتجاج على واقعة علي الديلمي، بل محاولة لفتح تلك الأبواب المغلقة، والوصول إلى من لا صوت لهم خلفها.

كنت أرى أن ما يجري في تلك السجون أكبر من واقعة اعتقال شخص؛ فهي أماكن تُستباح فيها كرامة الإنسان ذاتها، تحت حماية السلطة، وفي ظل قانون غائب عن التنفيذ.

وتبقى المفارقات الأكثر إيلاماً أن علي الديلمي صار وزيراً في حكومة صنعاء لسنوات، ومحمد مفتاح بات قائماً بأعمال رئيس وزرائها، فيما كتابي «فضاء لا يتسع لطائر» يُباع في القاهرة وإسطنبول، ويُمنع بيعه ودخوله إلى صنعاء.

وفي عدن بدأتُ معركة من أجل «الحقوق»، ثم مع «الحراك» الجنوبي أيام مظلوميته، ولما صار «انتقالياً» وبلغ من الأمر سلطة وتمكين، رفض عودتي إليها، وبعده جاء محمود الصبيحي، أسير السنوات الطوال، فكان الخذلان بمرارة أشد؛ وكلُّ واحدٍ له صنماً، فيما بقيتُ أنا المصلوب مرتين.

صرتُ اليوم طريدَ صنعاءَ وشريد عدنَ، أبحث عن ملاذٍ لا أراه، ودواءٍ لا يُباع في الصيدليات، ووطنٍ تحاصصه الضباع

***

يتبع الحلقة السادسة

– من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى