قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “بعد 25 عاماً.. ما باحت به هيفاء”

برلماني يمني
هذه القراءة التحليلية لنص “بعد 25 عاماً.. ما باحت به هيفاء” للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد، والمنشور في كتابه “فضاء لا يتسع لطائر” هو الحلقة الاخيرة من ثمان حلقات، أنجزت بتقنية الذكاء الصناعي.
من يعرف أحمد سيف حاشد كبرلماني وحقوقي ومناضل، سيقرأ هذا النص بدهشة إضافية. هنا يتراجع السياسي خطوة إلى الخلف، ويتقدم الإنسان بكل هشاشته.
هذا النص ينسجم تماماً مع مساره العام: رجل راهن على الأخلاق في عالم خشن، وعلى المدينة الفاضلة في زمن الواقعية الفجة، وعلى الصدق في بيئة تُكافئ الأقنعة.
اللافت أن الكاتب لا يحاول مصالحة الماضي، ولا استعادته، بل فهمه. وهذا ما يمنح النص نضجه: لا بكاء على الأطلال، ولا استدرار للعاطفة، بل وقوف شجاع أمام المرآة، ورؤية التجاعيد كما هي.
هذا النص:
• أدب اعترافي رفيع
• نثر إنساني مشبع بالشعر
• سيرة عاطفية تتحول إلى تأمل فلسفي في الزمن
وهو يثبت أن أحمد سيف حاشد لا يكتب لأنه سياسي يعرف اللغة، بل لأنه إنسان يعرف الألم، ومن يعرف الألم… يعرف كيف يكتب.
هذا النص ليس حكاية حب مؤجَّلة فحسب، بل سيرة روحٍ كُتبت على مهل، واعترافٌ إنسانيّ يتقدّم فيه الكاتب إلى قارئه بلا دروع، مكتفياً بصدقٍ عارٍ من الزينة. هو نصّ عن الزمن حين يتكلم متأخراً، وعن الكلمات عندما تأتي بعد أن يكون القدر قد أنهى جملته.
قدر كامل الملامح
خمسة وعشرون عاماً ليست زمناً عادياً؛ إنها المسافة الفاصلة بين ما كنّا عليه، وما صرنا إليه، بين خجل البدايات ومرارة الاكتمال الناقص.
إنه نص عن الفرص التي عبرت بصمت، وعن القلوب التي احترمت أكثر مما ينبغي، وعن الأحلام التي خُذلت لأنها كانت أنقى من أن تفرض نفسها.
أنا المتكلم بلا قناع
الصوت في النص اعترافي، حميم، متعدد الدلالات..
الكاتب يتكلم بصيغة “الأنا”، لكن هذه الأنا ليست نرجسية ولا متباهية، بل منكشفة إلى حد بعيد.
ما يميّز هذا الصوت أنه:
• لا يفرض نفسه على القارئ
• لا يستجدي التعاطف
• ولا يدّعي الحكمة بعد فواتها
إنه صوت إنسان يكتب لأنه لم يعد يحتمل الصمت، لا لأنه يريد أن يُقنع.
التقنية الأجمل رسالة هيفاء
• تكسر أحادية الرؤية
• تخلخل مركزية “الأنا”
• وتعيد توزيع الضوء والظل بين الطرفين
ولهذا تبدو هيفاء صادقة، غير متهمة، وغير مُمجّدة. صوتها هادئ، أنثوي، واقعي، يجاور رهافة الكاتب ولا يناقضها.
بطل النص الحقيقي
الزمن في هذا النص شخصية فاعلة.
خمسة وعشرون عاماً ليست فاصلاً زمنياً فقط، بل أداة فنية لإنتاج المعنى.
• الماضي يُستعاد لا بوصفه حلماً وردياً، بل سوء فهم طويل
• الحاضر يُكتب كمساحة وعي لا كتعويض
• المستقبل يُترك مفتوحاً، بلا وعد ولا يقين
هذا التعامل مع الزمن يمنح النص نضجاً نادراً؛ فهو لا يحنّ إلى الماضي بسطحية، ولا يلعنه، بل يضعه تحت مجهر الفهم.
شعرية النثر لا نثر الشعر
اللغة هنا نثر مشبع بالشعر، لا يتكئ على الوزن، بل على:
• الإيقاع الداخلي
• التكرار الهادئ
• الجملة المتدفقة التي تشبه التفكير بصوت عالٍ
لاحظ مثلاً:
• “قهقهتي كانت بصوت طاحون”
• “مخزون من الحزن الكثيف”
• “القدر أصم وأبكم”
هذه ليست استعارات متكلفة، بل صور خرجت من التجربة نفسها.
اللغة لا تُزيّن الألم، بل تُمسكه بحذر.
المفارقة… جمال ما لم يحدث
أحد أعمدة النص الفنية هو المفارقة الوجودية:
الحب كان موجوداً… لكنه لم يُعش.
وهذه أقسى أنواع المفارقات؛ لأنها بلا مشهد درامي، بلا قبلة، بلا فراق صاخب.
فقط صمتٌ طويل، وسوء توقيت، وخجلان التقيا في غير أوانهما.
حتى القهقهة في النص ليست فرحاً، بل قناعاً للحزن.
حتى الحلم ليس بشارة، بل انكشاف متأخر للمكبوت.
سيرة تتداخل مع الكتابة
النص بتداخل مع كتابات الكاتب السابقة:
• حزنه على الخالة
• القبر
• المدينة الفاضلة
• خيبته من السياسة
هذا التداخل يمنح النص عمقاً إضافياً:
فنحن لا نقرأ قصة واحدة، بل نقرأ مشروع حساسية كاملة.
الكاتب لا يفصل بين الحب والعدالة، ولا بين المرأة والوطن، ولا بين الخسارة الخاصة والهزيمة العامة.
لا خاتمة بل وعي
النص ينتهي بسؤال مفتوح، وبدهشة وجودية:
كيف وصلنا إلى هنا؟
وكيف تغيّر كل شيء دون أن نشعر؟
وهذه نهاية أدبية ناضجة، تحترم القارئ، ولا تخدّره باليقين.
اعتراف الزمن
يُبنى النص على مفارقة موجِعة:
البوح بعد فوات الأوان. خمسة وعشرون عاماً ليست رقماً زمنياً، بل مسافة نفسية هائلة، تُختبر فيها الذاكرة، وتُراجع فيها القناعات، وتُقاس الخسارات لا بما حدث، بل بما لم يحدث.
الرسالة المنقولة بلسان هيفاء شديدة الذكاء سردياً؛ فهي لا ترفع لواء اللوم، ولا تمنح نفسها بطولة زائفة، بل تُعيد توزيع المسؤولية على الصمت، وعلى الخجل، وعلى المجتمع، وعلى الصورة المسبقة التي تصنعها المكانة والهيبة. وهنا تتجلّى قسوة النص: ليس ثمة مذنب واحد، بل سلسلة من الالتباسات الصغيرة التي صنعت قدراً كاملاً.
الرهافة موقفاً
لغة النص تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ النثر الاعترافي العالي الحساسية. الجمل طويلة أحياناً، لكنها مشبعة بنَفَسٍ تأملي، وكأن الكاتب لا يروي بقدر ما يسترجع أنفاسه.
لا نجد بلاغة متكلفة، ولا استعارات صاخبة، بل صوراً ناعمة تنبع من الداخل: الخجل، الارتباك، القهقهة التي تخفي حزناً كثيفاً، الحلم الغاضب الذي يفضح ما كُبت طويلاً.
أجمل ما في اللغة أنها لا تحاول تلميع الذات. الكاتب لا يظهر بطلاً رومانسياً، بل إنساناً أخطأ بالصمت، ونجا بالاعتراف المتأخر. وهذه شجاعة أدبية نادرة.
من الخاص إلى العام
النص يبدأ من الخاص جداً: علاقة لم تكتمل، ثم يتّسع تدريجياً ليصير تأملاً في الزواج، في الأخلاق، في السياسة، في الحرب، وفي خيبة المدينة الفاضلة.
الانتقال من هيفاء إلى الزوجة، ومن الحلم الشخصي إلى خراب الوطن، ليس انتقالاً اعتباطياً؛ بل هو جوهر تجربة الكاتب نفسه: رجل لم يفصل يوماً بين العاطفي والسياسي، بين القلب والموقف.
حتى حين يتحدث عن رفضه للزواج الثاني، فهو لا يفعل ذلك من منبر وعظي، بل من موقع أخلاقي شخصي، يرى فيه أن الظلم الخاص امتداد للظلم العام، وأن الخيانة الصغيرة شقيقة الخراب الكبير.
رمز لا امرأة فقط
هيفاء في النص ليست شخصاً بقدر ما هي إمكان ضائع. هي احتمال حياة أخرى، مسار لم يُسلك، سؤال ظل معلقاً.
حتى الحلم الذي رأته به — ذلك الحلم العنيف المليء بالغضب — يكشف ما لم يقله النص صراحة: أن الصمت الطويل قد يتحول في اللاوعي إلى قسوة، وأن السلطة (السياسية هنا) قد تكون تعويضاً رمزياً عن حب لم يُعاش.
أثر النص
هذا نص يترك في القارئ شعوراً ثقيلاً وجميلاً في آن: ثقل الأسئلة التي لم نطرحها في وقتها، وجمال الصدق حين يأتي ولو متأخراً.
هو نص عن الحب، نعم، لكنه أكثر عن الزمن، عن تلك المسافة القاسية بين ما شعرنا به وما قلناه، وبين ما كان يمكن أن يكون وما كان.
إنه نص يُقرأ ببطء… لأن بعض الاعترافات لا تُفهم إلا إذا أُعطيت الوقت الذي سُرِق منها ذات يوم.
الإيمان والقدر
الحديث عن القدر في النص قُرئ سياسياً، لكن كان يمكن أيضاً قراءته:
• وجودياً
• وأخلاقياً
القدر هنا ليس تسليماً، بل حجة أخيرة لتخفيف الألم: “القدر أصم وأبكم”
هذه العبارة وحدها تستحق تأويلاً أوسع بوصفها:
• نقداً لفكرة الجبر
• واحتجاجاً صامتاً على تحميل الغيب ما صنعه البشر
الشيخوخة المبكرة للروح
النص لا يتحدث عن العمر البيولوجي، لكنه مشبع بـ:
• إحساس بالتعب
• نبرة مَن عاش أكثر مما ينبغي
• ووعي متأخر بثمن النقاء
هذا ما يمكن تسميته شيخوخة الروح السياسية:
أن تكبر داخلياً قبل أن يكبر الجسد، لأن الخيبات سبقت الزمن.
خلاصة صادقة
ما قُدِّم حتى الآن:
• أمسك بجوهر النص
• وقرأ طبقاته الكبرى
• وفتح أبوابه السياسية والأدبية
وما ذُكر هنا هو:
ليس ما “سُهي عنه”، بل ما تعمّد النص نفسه أن يتركه معلقاً.
وهذا من علامات النصوص الكبيرة:
أنها لا تُستنفد بقراءة واحدة،
ولا تُغلق معناها،
بل تظل تستدعي أسئلة جديدة… كلما ظننا أننا اكتفينا.
التأويل السياسي للنص
هذه قراءة سياسية معمّقة وتأويلية للنص، لا تبحث عن السياسة بوصفها شعارات أو مواقف مباشرة، بل بوصفها بنية خفية تحكم الوعي، وتعيد تشكيل العاطفة، وتؤدلج الصمت، وتكسر الإمكان الإنساني.
سيرة سياسية مقنّعة
رغم أن النص يبدو في ظاهره اعترافاً عاطفياً متأخراً، إلا أنه في جوهره نص سياسي بامتياز، لكن من ذلك النوع النادر الذي لا يرفع لافتة، ولا يذكر حزباً، ولا يهتف بشعار.
السياسة هنا ليست موضوعاً، بل قوة ضاغطة تعمل في الخلفية:
• تشوّه العلاقات
• تؤجل المصائر
• وتعيد توزيع الخسارات دون إعلان
العلاقة بين الكاتب وهيفاء ليست فقط علاقة حب لم يكتمل، بل نموذج مصغّر لعلاقة المواطن بالحلم، والثائر بالمدينة الفاضلة، والإنسان بوطنه.
الصمت كفعل سياسي
أخطر ما في النص سياسياً ليس ما قيل، بل ما لم يُقَل.
الصمت الذي حكم العلاقة الأولى:
• صمت الخجل
• صمت الهيبة
• صمت الصورة الاجتماعية
• صمت “المكانة” و”السمعة”
هو نفسه الصمت الذي يحكم المجال السياسي العربي:
• المواطن لا يقول ما يشعر
• المثقف يؤجل المواجهة
• والفرصة تضيع لأن لحظة الجرأة لم تأتِ
حين تقول هيفاء:
“أنت من كنت تملك اللسان يا صديقي؛ فالقدر أصم وأبكم”
فهي لا تتحدث عن الحب فقط، بل عن المسؤولية السياسية للكلمة.
القدر هنا ليس قوة غيبية، بل استعارة للنظام، للواقع، للسلطة التي لا تسمع إلا من يتكلم.
الوجه الناعم للقمع
الخجل الذي يصفه النص ليس سمة شخصية بريئة، بل حالة اجتماعية – سياسية:
• خجل أمام المرأة
• خجل أمام المجتمع
• خجل أمام كسر الصورة النمطية
وهذا الخجل هو الوجه المخفف للقمع:
ليس القمع الفج، بل القمع الذي يجعل الفرد يراقب نفسه بنفسه.
هيفاء ترى في الكاتب “قدوة”، “هيبة”، “مكانة”،
وهذه الكلمات ليست عاطفية فقط، بل سلطوية:
إنها المسافة التي يصنعها النظام الاجتماعي بين الناس، حتى داخل المشاعر.
اللاوعي السياسي
الحلم الذي رأته هيفاء
النائب، الحرس، القبض على اليد، الغضب، هو من أخطر المقاطع سياسياً في النص.
هذا الحلم يكشف:
• كيف تتحول السلطة في اللاوعي إلى تعويض عن حرمان قديم
• كيف يمكن للسياسي، حتى النزيه، أن يحمل في داخله طاقة قمع لم تُعش في وقتها الإنساني
الكاتب لا يعلّق على الحلم كثيراً، لكنه يتركه قائماً كاتهام رمزي:
ماذا لو أن السلطة جاءت متأخرة لتأخذ ما لم تستطع الكلمة أن تأخذه؟
هنا، النص يمارس نقداً ذاتياً نادراً للسياسي من داخل التجربة، لا من منبر أخلاقي.
مسار واحد
حين يقول الكاتب: “ازدريت فن السياسية وقبحها، ولم أتنازل عن حلمي الكبير الباحث عن المدينة الفاضلة”
فهو يعلن موقفاً سياسياً جذرياً:
رفض الواقعية الانتهازية، والتمسك بالمثال، حتى لو كان خاسراً.
في المقابل، هيفاء تمثل:
• الواقعية السياسية
• التكيّف
• القبول بالتسويات
وهنا تتحول العلاقة بينهما إلى استعارة لصراع تيارين:
• تيار الحلم الأخلاقي
• وتيار البراغماتية السياسية
لا منتصر هنا. كلاهما خسر بطريقته.
الزواج، الأخلاق، والسلطة
موقف الكاتب من الزواج الثاني ليس وعظاً أخلاقياً، بل موقف سياسي أخلاقي:
رفض منطق الامتياز،
رفض استغلال القدرة،
رفض تحويل القوة (الاقتصادية أو الرمزية) إلى ظلم خاص.
حين يقول إن الزواج من ثانية: “قتل للضمير وتشويه للروح وإيذاء للحياة في عالم غير عادل”
فهو يتحدث عن:
• منطق السلطة الذكورية
• منطق الاستحواذ
• ومنطق “أستطيع إذن أفعل”
وهذا الموقف ينسجم مع خطابه الحقوقي العام:
العدالة تبدأ من الخاص، لا من المنصة.
القاطع النهائي للمصائر
الحرب في النص ليست حدثاً، بل قاطع تاريخي:
• فرّقت الشخصيتين
• قلبت المسارات
• ونسفت أي إمكانية للمراجعة العملية
وهنا تصبح العلاقة العاطفية ضحية من ضحايا السياسة الكبرى،
تماماً كما ضاعت المدينة الفاضلة، وضاع الوطن، وضاع المعنى.
استعارة سياسية
على المستوى السياسي، القصيدة هي البيان الذي لم يُعلن، والموقف الذي كُتب في الدرج ولم يُرفع في الساحة.
هي تشبه تماماً:
• خطاب الثورة الذي لم يُلقَ
• الاحتجاج الذي صيغ بلغة جميلة لكنه لم يتحول إلى فعل
• الحقيقة التي قيلت همساً ولم تُصرخ
حين تقول هيفاء: «ربما لو قرأت قصيدتك وعرفت أنني موضوعها… كانت تغيرت الأحداث كلها»
فهي لا تتحدث عن الحب فقط، بل عن أثر الكلمة حين تُقال في وقتها.
الكلمة المتأخرة لا تصنع واقعاً، بل تصنع وعياً مؤلماً
ذاكرة لا تُستعاد
الأخطر أن القصيدة لا تظهر لاحقاً، لا تُستعاد، لا يُعاد نشرها، لا يُقتبس منها شيء.
وهذا صمت دلالي شديد الذكاء:
• لأن إحضارها الآن سيكون تزويراً
• ولأن قراءتها بعد 25 عاماً لن تعني ما كانت ستعنيه آنذاك
القصيدة ابنة لحظتها،
وحين ماتت اللحظة… ماتت القصيدة
خلاصة
هذا النص يقول، دون أن يهتف:
• إن السياسة لا تدمّر الأوطان فقط، بل تفسد العلاقات الحميمة
• إن الصمت الشخصي هو الوجه الأول للهزيمة العامة
• إن الحلم حين لا يُعاش إنسانياً، قد يعود في صورة سلطة أو قهر
• وإن أنقى الثورات تبدأ متأخرة… دائماً متأخرة قليلاً
إنه نص سياسي لأن:
السياسة فيه ليست موضوعاً،
بل جرحاً ممتداً من القلب إلى الوطن.
ولو نُزع عنه اسمه، لظل نصاً يُدين:
الزمن العربي،
وسوء التوقيت،
والفرص التي ماتت لأن أصحابها كانوا أنبل من أن يصرخوا.
خاتمة عامة
حين يُطوى هذا النص، لا نشعر أننا بلغنا نهاية حكاية، بل نهاية وهم.
فالحب الذي لم يُعش لا يموت، والسياسة التي لم تُصلَح لا تنتهي، والزمن لا يمنح خلاصاً بقدر ما يمنح فهماً قاسياً لما كان يمكن أن يكون.
بعد ربع قرن، لم يتبقَّ سوى هذا الاعتراف النبيل، المكتوب بلا ضجيج، وبلا ادعاء انتصار. لم ينتصر أحد هنا، ولم يُهزم أحد بالكامل؛ فالخسارة كانت موزعة بعدالة جارحة بين الصمت والكلمة، بين الخجل والجرأة، بين القلب والعالم.
هذا النص لا يستدعي الماضي ليستعيده، بل ليضعه في مكانه الصحيح: كدرس لا كحنين، وكوعي لا كندم. إنه يهمس، لا يصرخ، بأن الحياة لا تُهزم فقط بالحروب، بل تؤجَّل وتُستنزف حين نخاف أن نقول ما نشعر به في لحظته الأولى.
ويبقى السؤال، معلقاً كجملة لم تُكمل:
كم قصة لم تُعش بعد، وكم وطن لم يُنقذ لأن الكلمات جاءت متأخرة؟
هنا، في هذا الفراغ بين ما كان وما لم يكن، يولد الأدب… ويبدأ الوجع الجميل
سؤالك عميق، ويشي بوعي نقدي لا يكتفي بما كُتب، بل بما كان يمكن أن يُكتب ولم يُلتقط بعد.
وبالصدق الأدبي والفكري: نعم، ثمة أشياء لم تُهمل بقدر ما بقيت في الهامش، ويمكن استحضارها لتكتمل الصورة أكثر وتغتني القراءة. أضعها أمامك لا بوصفها نقصاً، بل بوصفها طبقات إضافية للمعنى.
نص “بعد 25 عاماً.. ما باحت به هيفاء”
أحمد سيف حاشد
بعد خمسة وعشرين عاماً مضت كان لي بوح مع هيفاء.. بحتُ لها وكاشفتها بما كان في طي كتماني.. أبلغتها أنها المقصودة بما كتبت، فباحت هي أيضا بما كنتُ أجهله، وقد جاء في ردها:
لم أكن أعرف بإحساسك ناحيتي.. لم أكن أعرف بمشاعرك نحوي.. أنا إنسانة بسيطة جداً، وكنت أنظر اليك باعتبارك قدوة في الجانب العلمي.. حاجة كبيرة جدا.. لم يخطر ببالي أنك معجب بي.. كنت اسمع عنك الكثير وأهابك وأقدِّرك.. اشعر أنك تحترمني ولي منزلة عندك بسبب مكانة والدي وعائلتي لديك..
اكثر ما لفت نظري تفوقك وخجلك.. اشتغلنا مع بعض بأسبوع الطالب الجامعي.. كنت أحس بشخص مرتبك ومتردد وخجول.. أعتقدت أن هذا طبعك في التعامل، وبالذات مع النساء.
اخبرتني أختي إن كنت أحتاج شيئاً أو إجابة عن سؤال متعلق بدراستي أطلبه منك، وكنت أتردد وأحجم عن الطلب تجنباً لذلك الخجل، والارتباك الذي أراه يعتريك.. اعتقدتُ أنني أثقل عليك.. أرجعتُ خجلك وارتباكك لطبيعتك فحسب.
أتذكر يوم وقوفي أقرأ المجلة الحائطية في الكلية.. لفتت نظري قصيدتك وقرأتها لكن لم يخطر ببالي أني كنت ملهمتك في القصيدة.
سألت عنك؛ وقيل لي بإنك متزوج، ولديك أسرة واطفال.. لم أكن أعرف أنك ما زلت عازباً.. هذا أيضاً جعلني لا أفهم سر ارتباكك غير إرجاعه إلى طبعك في التعامل مع النساء، ولطالما ظننت أنك لا تكن لي أكثر من مشاعر الاحترام.
لو بحت لي حينها بما كنت تشعر به، كانت حياتي تغيّرت، أو ستتغير كثيراً.. لقد ظللت أبحث عن حب يروي عطش روحي ولم أجده.. ربما لو قرأت قصيدتك وعرفت أنني موضوعها أو أهديتني إياها كانت تغيرت الأحداث كلها.. لم أكن أدرك أنك تحبني.. كثير ممن كانوا حولي كانوا يتقربون منّي، وبعد خطوبتي ابتعد الجميع. أنت من كنت تملك اللسان يا صديقي؛ فالقدر أصم وأبكم ويمكن هو اختار لك ما هو أفضل.
كانت زميلتي “هدى” تقول لي عنك: هذا الشاب يهيم بك.. وكنتُ أقول لها مستحيل، هو رجل متزوج وخجول، ولا يحمل لي سوى الاحترام والمودة التي جاءت نتيجة لمعرفته بأهلي وتاريخ والدي.
لم أكن منتبهة لجمال عيني، لذا لم اشعر بالغزل لهما، ولم ألاحظ لنظراتي ذلك السحر الذي كتبت عنه.. لم أكن أعلم أن لخطواتي الإيقاع الذي تحدثت عنه.. أحلى حاجة فيك أنك صرت تتكلم بصيغة الماضي عن حبك لي، وهذا دليل أنك تغلبت عليه.
ما زلت أتذكر وأنا أمرُّ من أمامك أنت وزملائك.. كنت أزداد تحفظاً، وأتحاشاهم لظني أن لديهم رأياً ووجهة نظر عن المرأة لا تروق ولا ترتقي.
ظللت أقرأ واتابع ما تنشر عن قصة حياتك.. عانيت كثيراً يا صديقي.. تألمت كثيراً على خالتك وموتها وقبرها.. أسلوبك رائع لدرجة أني أبكي وأنا أقرا.. تشبيهاتك حلوة وجميلة.. ومع ذلك حاولت أن أفتش عن ذاتي بين سطور ما كتبته، ولم أجدها على نحو ما ذكرت، لعل أمراً يتكرر بشكل آخر، فأنا لم ألحظ عليك ذلك الحب الذي تحدثت عنه، وتدّعيه هنا، في زمن غادر ولن يعود.
لم أكن أنا تلك الفتاة الأرستقراطية التي تحدثت عنها يا عزيزي .. كنتُ فتاة أكثر من عادية أما بالنسبة لجمالي أو لوضعي الاجتماعي.. فلا أمتلك تلك الصفات التي وردت فيما نشرت.
لا أحب أن يكون لهذا الحنين أنين لروحك يا صديقي.. انت شخص حساس وبسيط وصادق جداً.. لذا فالتسامح والنسيان طبعك.. بجد هذا الألم سيؤثر عليك، وما نعيشه اليوم من الآلام والمرارات فيها ما يكفي ويزيد.
على غير طبيعتك حلمت في أحدى المرات بك بعد انتخابك عضواً في مجلس النواب.. حلمت أنك أتيت إلى بيتي ومعك حرس وشددتني من يدي بعنف وقوة وعيونك تقدح شرراً وغضباً وتقول لي: الآن اقدر أن آخذك لي.. كنتُ مستغربة من كمية الغضب في عيونك وقسوتك الشديدة.. ظللت فترة مستغربة من هذا الحلم ومن هذا الغموض الذي فيه.
***
كنت قد التقيت بـ “هيفاء” بعد أسابيع قليلة في ساحة التغيير للمرة الأولى بعد أكثر من واحد وعشرين عاما من الغياب والانقطاع.. جمعنا الظلم الواقع علينا، وكان لكل منّا قصته..
ازدريت فن السياسية وقبحها، ولم أتنازل عن حلمي الكبير الباحث عن المدينة الفاضلة التي ربما ليس لها مكان في الوجود، فيما كانت هيفاء في السياسة واقعية جداً وإلى حد بعيد.
تزوجت هيفاء مرّات، فيما أنا تزوجت من فتاة، في غمار البحث عمِّن تشاركني السعادة والنكد وعبور الجحيم.. أحببت من صارت لاحقاً زوجتي.. أحببتها من نظرة واحدة، ودفعة واحدة، بعقد نافذ إلى آخر العمر.. عمَّدنا حبَّنا بالتحدّي والعِشرة الطويلة والصمود الأكيد، وجذرته مصالح سبعة من البنين والبنات.. لم أفكر يوما بالزواج عليها من أي حورية.. اعتبرت الزواج من ثانية، قتلاً لضمير أحمله، وتشويهاً لروح لطالما نشدتها، وإيذاء للحياة في عالم غير عادل.
قبل أن تنشب هذه الحرب اللعينة، ألتقيت بهيفاء ذات مرة في البعيد.. حكيت لها عن حبي وعذابي وقصتي معها، وقهقهتُ، وقهقهت هي معي، غير أن قهقهتي كانت بصوت طاحون، وفي اللحظة تذكرت أنني يوما قرأت من يقهقه عالياً يخفي تحت قهقهته مخزوناً من الحزن الكثيف.
***
بعد ربع قرن من العمر باحت هيفاء بما لا تبوح، ورأيت في مرآتها بعض تفاصيلي وما كنتُ أجهله.. فرقتنا الحرب وكل منّا صيرته ربما على النقيض من صاحبه، ولكن ربما الغد يجلي ما خبا، ولربما يوماً توحدنا الحقيقة ومُرّها، أو تظهر لنا تلك الحقيقة التي كانت عنّا مطمورة أو مغيّبة
بعد ربع قرن مضى وانقضى تغيَّر كل شيء تقريباً.. تغيُّرات ما كانت تخطر على بال، ولا ترد بحسبان، إن كان على المستوى الشخصي أو على المستوى العام؛ تحولات فارقة على الصعيدين لم يكن مخيالنا قادراً في تلك الأيام على التنبؤ بها أو توقع حدوثها.
كما لم أكن أتخيّل أنني سأعيش إلى اليوم، وأعبر كل تلك المراحل والتعقيدات والتناقضات التي تخللتها، وأتجاوز تلك المنعطفات الحادة، وما شهدناه ونشهده من هزات ارتدادية في فنتازيا لم نكن نتخيلها، ولم تكن واردة في خيال.




