كتبوا عنه

(وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر) 

برلماني يمني

شبيب منصور الشيخ

(وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر) “أحمد سيف حاشد”. نعم، لا شك في أننا افتقدناك، نائبنا الفاضل العزيز. غيابك لم يكن أمراً عابراً أو حدثاً يمر مرور الكرام، فالهوة العميقة التي تركها غيابك في نفوسنا أمر لا دواء له، ولا بديل يعوضه.

كل يوم أبدأ يومي بالدخول إلى صفحتك، كعادتي منذ سنين خلت، أحاول أن أجد ضالتي بين ثنايا سطور منشوراتك، لكنني أعود خائب الرجاء. فصفحتك التي كانت عامرة بالأفكار والرؤى والتحليل العميق لكل شاردة وواردة، باتت صحراء قاحلة لا حياة فيها.

أفتقد تلك المنشورات التي كنا ننتظرها بشغف، وتلك الآراء التي لم تكن تمر علينا مروراً عابراً، بل كانت تستوقفنا، وتحرض فينا التفكير، وتفتح أمامنا نوافذ لفهم ما يجري حولنا. أفتقد ذلك القلم الذي لم يكن يجامل أحداً، ولا يحسب حساباً لرضا هذا الطرف أو غضب ذاك، ولا يتردد في قول ما يراه حقاً، حتى وإن كان ثمن ذلك مزيداً من المتاعب والملاحقة والتضييق.

القاضي والنائب العزيز أحمد سيف حاشد، ربما لا تدرك حجم المساحة التي تحتلها في قلوب كثيرين من أبناء هذا الشعب، وربما لا تعلم كم من الناس ينتظرون عودتك إلى الكتابة، لا لأنهم يبحثون عن رأي يوافق أهواءهم، ولكن لأنهم اعتادوا أن يجدوا في كلماتك شيئاً من أنفسهم، وأن يسمعوا من خلالها صوتاً يشبه أوجاعهم، ويعبّر عن معاناتهم التي عجزوا عن إيصالها إلى أسماع من يفترض أنهم يمثلونهم.

لقد كنت، وما زلت، بالنسبة إلينا أكثر من مجرد نائب برلماني يمثل دائرة انتخابية؛ كنت صوتاً للذين لا صوت لهم، ونافذة يطل منها المظلومون والمغلوبون على أمرهم على عالم السياسة الذي طالما أغلق أبوابه في وجوههم.

وما يجعل محبتنا لك مختلفة، وإعجابنا بك يتجاوز حدود الانتماء المناطقي أو التمثيل البرلماني، أنك لم تكن يوماً أسير أيديولوجيا، ولا تابعاً لمشروع سياسي، ولا جزءاً من جوقة تتقاسم الأدوار والمصالح. لم نرك يوماً منحازاً لسلطة لمجرد أنها سلطة، أو مدافعاً عن طرف لمجرد أنه يرفع شعاراً يعجبك. كنت تقترب من الجميع بقدر ما يقتربون من الحق، وتبتعد عنهم بقدر ما يبتعدون عنه.

لم تجامل سلطة صنعاء حين وجدت فيها ما يستحق النقد، ولم تمنح سلطات الشرعية والمنفى حصانة من مساءلتك حين كشفت تناقضاتها وإخفاقاتها. لم تكن مع هؤلاء حين أخطأوا، ولا مع أولئك حين ظلموا، بل كنت مع الإنسان اليمني، أينما كان، ومع حقه في الحياة والكرامة والحرية والعيش الكريم.

وهذا تحديداً ما جعل مواقفك مزعجة للجميع، وما جعل سهام الخصوم تأتيك من اتجاهات مختلفة. فحين يكون المرء جزءاً من معسكر، يسهل على خصومه تصنيفه ومحاصرته، أما حين يكون حراً في مواقفه، لا يبيع قناعاته ولا يستأذن أحداً قبل أن يقول كلمته، فإنه يصبح مصدر إزعاج لكل من اعتادوا أن تكون الحقيقة حكراً عليهم.

ولعل أكثر ما يؤلمنا في غيابك اليوم أننا نعيش مرحلة نحن أحوج ما نكون فيها إلى أمثالك. مرحلة تتزاحم فيها الأحداث والمستجدات، وتختلط فيها الحقائق بالأكاذيب، وتتعدد فيها الوجوه والشعارات، بينما تظل معاناة الناس واحدة، بل تزداد اتساعاً وعمقاً. مرحلة نفتقد فيها صوتاً لا تحركه الحسابات، ولا تقيده الاصطفافات، ولا تمنعه المجاملات من تسمية الأشياء بأسمائها.

نفتقدك لأننا نعرف أنك كنت ستقول في كل حدث ما لا يريد كثيرون سماعه، وستضع إصبعك على موضع الوجع، وستكشف التناقضات التي يحاول أصحابها إخفاءها خلف ضجيج الشعارات والخطابات الرنانة.

ولست هنا بصدد تعداد مواقفك، أو استعراض ما تعرضت له من مضايقات ومحن، فقد كتبت عنك سابقاً، وقلت يومها إنني أراك نموذجاً إنسانياً تمنيت لو استطعت أن أكون مثله، وإن إعجابي بك لم يكن بحثاً عن مصلحة، ولا انتظاراً لمنفعة، وإنما هو تقدير لقيمة إنسانية نادرة أراها تتجسد في شخصك.

وما زلت عند تلك القناعة، بل لعل الأيام وما حملته من أحداث زادتها رسوخاً.

أعلم أن للمرض أحكامه، وأن للجسد طاقة قد تخذله مهما كانت إرادة صاحبه قوية، وأعلم أن ما مررت به ليس بالأمر الهين، لكنني أرجو من الله أن تكون هذه المحنة عابرة، وأن يمنّ عليك بتمام الصحة والعافية، وأن يمد في عمرك، ويعيد إليك عافيتك وقوتك، لنراك مجدداً بيننا، تكتب وتناقش وتحلل وتقول كلمتك التي اعتدناها، وتواصل ما آمنت به طوال حياتك.

أخي الأكبر وقاضينا ونائبنا العزيز أحمد سيف حاشد..

قد تختلف معك بعض الآراء، وقد لا نتفق معك في كل التفاصيل، لكننا نحب فيك ذلك الإنسان الذي لم يتخلَّ عن إنسانيته، ونحترم فيك ذلك الرجل الذي لم يجعل من اختلاف المواقف سبباً للتخلي عن المظلوم، ولم يجعل من المناصب والمواقع غاية ينتهي عندها كل شيء.

ولعلك لا تعلم أن هناك من يفتحون صفحتك كل صباح، كما أفعل، بحثاً عن منشور جديد، أو تعليق، أو حتى بضع كلمات تطمئنهم عليك. وهناك من يفتقدونك دون أن تربطهم بك مصلحة أو معرفة شخصية، وإنما جمعتهم بك مواقفك وكلماتك وصدق إحساسك بوجع الناس.

عد إلينا معافى يا صديقي العزيز، فثمة أصوات لا يعوض غيابها صخب الآخرين، وثمة رجال لا تُقاس قيمتهم بالمناصب التي يشغلونها، وإنما بالأثر الذي يتركونه في نفوس الناس.

نسأل الله أن يشفيك شفاءً لا يغادر سقماً، وأن يلبسك ثوب الصحة والعافية، وأن يطيل عمرك على الخير، ويحفظك لأهلك ومحبيك، ويعيد إليك عافيتك، فنحن، والله، نفتقدك كثيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى