قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “أمراضنا وعللنا”

برلماني يمني
القراءة التحليلية لنص «أمراضنا وعللنا» للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد،والمنشور في كتابه “فضاء لا يتسع لطائر” هي محاولة لفهم النص خارج حدوده السردية المباشرة، والانتقال به من الذاكرة الشخصية إلى فضاءات التحليل السياسي والتاريخي والسوسيولوجي، إضافة إلى تفكيك ملامح شخصية الكاتب كما تتبدّى من تجربته المكتوبة.
لا تتعامل هذه القراءات مع النص كحكاية عن المرض فحسب، بل كوثيقة كاشفة عن بنية المجتمع والدولة والوعي في اليمن، في مرحلة تاريخية محددة، وعن الكيفية التي يتحول فيها الجسد الفردي إلى حامل لمعانٍ جماعية أوسع.
أُنجزت هذه القراءة التحليلية بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بوصفها أداة تحليلية مساندة، تسعى إلى تفكيك الدلالات، وربط المستويات السردية بالسياقات الاجتماعية والسياسية والتاريخية، دون أن تحلّ محل القراءة النقدية، بل لتوسيع أفقها وتعميق أسئلتها.
قراءة من منظور سياسي
في هذا النص، لا يكتب أحمد سيف حاشد سيرة مرضٍ فردي بقدر ما ينجز تشريحاً سياسياً لجسد المجتمع والدولة، مستخدماً المرض بوصفه استعارة كبرى للفقر، والتهميش، والاستبداد، وغياب العدالة.
ومن هنا يمكن قراءة نص «أمراضنا وعللنا» كنص سياسي بامتياز، وإن ارتدى قناع الذاكرة والطفولة.
المرض كنتاج لبنية سياسية
يُظهر النص أن المرض لم يكن حادثاً عارضاً، بل نتيجة مباشرة لبنية حكم غائبة أو معادية لمواطنيها.
غياب المستوصفات، الأطباء، الماء النظيف، التطعيم، والوعي الصحي، ليس تفصيلاً خدمياً، بل دليل على: دولة لم ترَ في الريف إنساناً مستحقاً للحياة، وسلطة تمركزت في المدينة، وتركَت الأطراف تعيش خارج الزمن.
وهنا يتحول الجسد المريض إلى وثيقة اتهام سياسية: الفقر والمرض والجهل تكشف عن صيغة الحكم.
المرض بوصفه آلية إخضاع
التعايش مع الألم، والاعتياد على المعاناة، واللجوء إلى الكيّ والمياسم والخرافة، ليست اختيارات ثقافية بريئة، بل آليات نجاة فرضتها السياسة.
وعندما تُغلق أمام الناس سبل العلاج الحديثة، يُدفعون قسراً إلى: قبول الألم.
تطبيع المعاناة، وتفسير العجز بوصفه قضاءً وقدراً.
وهذا أهم ما في النص: المرض لم يعد استثناءً، بل أصبح نمط حياة، وهو ما تحتاجه أي سلطة لا تريد مواطنين واعين، أصحاء، قادرين على السؤال والاحتجاج.
الجسد الريفي كأرض مستباحة
الجسد في النص يشبه الأرض اليمنية نفسها: مفتوح، بلا حماية، تعيش فيه كائنات أخرى وتتغذى عليه.
وصف الديدان، خصوصاً الإسكارس، ليس وصفاً طبياً فقط، بل تمهيد للاستعارة السياسية الكبرى، فالديدان تعيش داخل الجسد، وتتغذى من قوته، لا تقتله فوراً، بل تستنزفه ببطء. وهي بالضبط صورة الفساد والسلطة الطفيلية.
من ديدان البطن إلى ديدان الوطن
الانتقال في الخاتمة من الدودة الحقيقية إلى “ديدان اليوم” هو انتقال من البيولوجي إلى السياسي.
حين يقول: «أما ديدان الإسكارس اليوم فهي أشبه بالذين هم أشد واغلظ… أكثر نهماً وضرراً وفتكاً» فهو يعلن بوضوح أن الفساد ليس خطأً إدارياً، بل كائن طفيلي منظّم، يعيش على حساب الشعب، ويمنع عنه الغذاء، كما منعت الديدان الطفل من غذائه.
السلطة هنا ليست حاكماً، بل طفيلاً داخلياً، لا يعيش إلا باستمرار ضعف الجسد الوطني.
الوعي بوصفه العلاج السياسي
الفرق بين الطفل الذي هلع من الدودة، والرجل الذي يكتب عنها بسخرية ووعي، هو الوعي.
وحاشد يقول ضمناً: ما كان فضيحة في الطفولة، صار معرفة. وما كان رعباً، صار مادة تحليل. وكذلك الاستبداد: لا يسقط إلا حين يُسمّى ويُعرّى.
النص بذلك يدعو إلى: كسر الخجل السياسي، وتسمية الفساد باسمه، وإدراك أن “العيب” ليس في كشف العلة، بل في التعايش معها.
خلاصة سياسية
«أمراضنا وعللنا» ليس نص حنين، بل نص إدانة: إدانة لدولة أهملت مواطنيها حتى صار المرض قدراً، إدانة لسلطات حولت الشعب إلى جسد منهك، وإدانة لنخب تحولت إلى ديدان، لا ترى في الوطن إلا معدة مفتوحة.
إنه نص يقول بوضوح: الوطن لم يمت لأنه فقير، بل أُفقر لأنه مُستباح من داخله.
قراءة من منظور تاريخي
هذه قراءة تاريخية للنص، تنظر إليه بوصفه شهادة زمن أكثر من كونه سرداً ذاتياً، مع تثبيته في سياقه التاريخي والمكاني “نهاية السبعينات وبدايات الثمانينات من القرن الماضي” في اليمن، وهي مرحلة مفصلية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.
وثيقة من «هامش الدولة»
ينتمي زمن النص إلى مرحلة كانت فيها الدولة اليمنية – شمالاً وجنوباً – دولة ناقصة الحضور في الريف.
ما يرويه حاشد لا يعكس حالة استثنائية، بل وضعاً عاماً: الريف بلا مستوصفات ولا أطباء دائمين، والتعليم الصحي شبه منعدم، الماء غير النظيف جزء من الحياة اليومية، والمرض يُدار بالعُرف والتجربة لا بالمؤسسة.
تاريخياً، كانت الدولة تصل متأخرة جداً، إن وصلت أصلاً. ولهذا يظهر في النص شعور العيش في «مكان قصي من العالم»، وهو توصيف دقيق لإحساس الريف اليمني في تلك المرحلة، لا مبالغة أدبية.
زمن الفقر البنيوي لا الطارئ
الفقر في النص ليس نتيجة حرب طارئة أو حصار مفاجئ، بل فقر متجذر: اقتصاد زراعي هش يعتمد على الأمطار، نزيف بشري نحو الهجرة (الخليج، المدن)، وغياب شبكات الضمان أو الدعم.
في تلك السنوات، كان اليمن يعيش مفارقة تاريخية: تحسن نسبي في المدن بفعل التحويلات والهجرة، وتكلّس الريف واستمراره في أنماط ما قبل الدولة.
وهذا ما يفسر لماذا كانت “البنسلين” تصل نادراً، ولماذا التطعيم ضد الجدري كان حدثاً استثنائياً يُخلَّد بـ«مشلاه» على الذراع.
ذاكرة ما قبل الدولة
ما يسرده النص عن: الكي (المياسم)، قطع الوعاء تحت اللسان لعلاج اليرقان، الأعشاب وصمغ الأشجار، خلع الأسنان بلا تخدير. ليس مجرد تخلف، بل منظومة علاج اضطرارية سبقت الدولة الحديثة، واستمرت بسبب عجزها عن الحلول محلها.
تاريخياً، ظل الطب الشعبي قائماً لأنه: متاح، ومنخفض الكلفة، ولا يحتاج إلى مؤسسة.
وهو ما يكشف أن اليمن في تلك الفترة كان يعيش ازدواجاً زمنياً: تقويم حديث في الخطاب، وواقع صحي ينتمي للقرون السابقة.
سؤال البيئة المهملة
انتشار الديدان المعوية، سوء التغذية، فقر الدم، والإسهالات المزمنة، يعكس: تلوث المياه، وغياب شبكات الصرف الصحي، وانعدام الرقابة الصحية.
في أواخر السبعينات، لم يكن الريف اليمني قد دخل بعد عصر الصحة الوقائية.
والنص هنا يؤرّخ لجيل كامل نشأ: بأجساد ضعيفة، وبمناعة منخفضة، وأمراض صامتة ترافقه حتى الكبر.
إنه تاريخ الأجساد المُهملة، وليس تاريخ الحكومات فقط.
اليمن قبل الطرق
الإسعاف على ظهر حمار ليس صورة شعرية، بل حقيقة زمنية.
وقبل شق الطرق الإسفلتية الواسعة في الثمانينات والتسعينات: كانت المسافات تُقاس بالجهد لا بالكيلومترات، والمرض قد يقتل لأن الطبيب بعيد، لا لأن الدواء غير موجود.
وهنا يسجل النص لحظة ما قبل “الدولة الطرقية”، حيث كان الوصول إلى العيادة مغامرة بحد ذاته.
مرآة لمرحلة تاريخية
حادثة الدودة (الإسكارس) ليست مجرد صدمة طفل، بل: شهادة على مستوى الصحة العامة، وعلى طبيعة المعرفة الشعبية، ووعلى ثقافة الحياء والصمت.
والخجل، الصمت، والخوف من الفضيحة، كانت جزءاً من ثقافة الريف آنذاك، حيث يُدار الجسد في الخفاء، لا في العيادة.
من التاريخ إلى المقارنة الضمنية
رغم أن النص يؤرخ لمرحلة محددة (نهاية السبعينات – بداية الثمانينات)، إلا أن خاتمته تقوم بمقارنة تاريخية غير مباشرة: ديدان الأمس هي نتاج فقر وغياب دولة، وديدان اليوم تعد نتاج فساد ودولة منحرفة عن وظيفتها.
وهنا يتحول النص من شهادة زمن إلى محاكمة تاريخية: كأن الكاتب يقول إن: ما كان يُعذر بالأمس لغياب الإمكانات، لا يُغتفر اليوم رغم توفرها.
خلاصة تاريخية
يمكن قراءة نص «أمراضنا وعللنا» بوصفه: وثيقة اجتماعية عن اليمن الريفي في أواخر السبعينات، وأرشيفاً غير رسمي للصحة والفقر والعيش اليومي، وشاهداً على زمن كانت فيه الدولة فكرة أكثر منها واقعاً.
إنه نص يثبت أن التاريخ لا يُكتب فقط بالقرارات والحروب، بل أيضاً بالأمعاء المريضة، والماء العكر، والطريق التي لم تُشق بعد.
قراءة من منظور سوسيولوجي
“أمراضنا وعللنا” نص ثري جداً سوسيولوجياً، بوصفه بنية علاقات لا مجرد حكاية مرض.
سردية عن «المجتمع المُهَمَّش»
سوسيولوجياً، يعد هو نص عن الهامش الاجتماعي، حيث يعيش مجتمع كامل خارج شبكات: الدولة، السوق، المعرفة الحديثة.
المرض هنا ليس حالة فردية، بل ظاهرة اجتماعية تتقاسمها القرية كلها. الجميع مرضى بدرجات متفاوتة، والجميع يتشاركون الأدوات نفسها للعلاج، ما يجعل الجسد الفردي جزءاً من جسد جمعي مُنهك.
المرض كمنتج اجتماعي
في المنظور السوسيولوجي، المرض لا يُفهم فقط بوصفه خللاً عضوياً، بل نتيجة: الفقر، وسوء التغذية، وتلوث الماء، ونمط السكن، وغياب البنية التحتية
النص يقدّم مثالاً كلاسيكياً لما يسميه علماء الاجتماع “التفاوت الصحي” (Health Inequality)، حيث لا تتوزع فرص الصحة بالتساوي، بل وفق الموقع الطبقي والمكاني.
والطفل لا يُصاب بالديدان لأنه “ضعيف”، بل لأن: بيئته ملوّثة، غذاءه شحيح، وبدائله معدومة.
نظام اجتماعي بديل
الطب الشعبي في النص يبدو كنظام اجتماعي بديل.
الكي، الأعشاب، الفقيه، بائع الأدوية المتجول… كلها تشكّل ما يمكن تسميته نظاماً علاجياً موازياً نشأ لأن: الدولة غائبة، والطب الحديث غير متاح، والمعرفة العلمية لم تُدمج اجتماعياً.
سوسيولوجياً، هذا النظام ليس “خرافة”، بل استجابة عقلانية للفقر. والمجتمع طوّر أدواته الخاصة للبقاء، حتى لو كانت قاسية أو مشوِّهة للجسد.
موقع للسلطة والحرمان
الجسد في النص ليس ملك صاحبه بالكامل؛ إنه: محكوم بالفقر، ومقيّد بالحياء، وخاضع لسلطة الجماعة.
حادثة الدودة تكشف هذا بوضوح: الخجل أقوى من الألم، والخوف من الفضيحة؛ أقوى من الخوف من الموت.
وهنا يظهر ما يسميه بورديو “العنف الرمزي”، حيث يفرض المجتمع صمته ومعاييره على الجسد، فيتحمل الفرد الألم كي لا يخرق قواعد “العيب”.
الحياء كبنية ضابطة
الخجل في النص ليس شعوراً نفسياً فقط، بل: أداة ضبط اجتماعي، ووسيلة لإسكات الجسد ومعاناته.
الطفل لا يخاف من الدودة بقدر ما يخاف من انكشاف جسده وقصته.
وهذا يعكس مجتمعاً: يجرّم الكلام عن الجسد، ويحوّل المعاناة إلى شأن خاص لا عام.
خبرة يومية مشتركة
الفقر هنا ليس رقماً اقتصادياً، بل: ماء كدر، ومعدة خاوية، ودوار بسبب الجوع، وجبال “تسير” بسبب سوء التغذية. وهذا ما يسميه علم الاجتماع “تجسيد الفقر” (Embodiment of Poverty)، حيث يصبح الفقر محسوساً في الجسد، لا في الخطاب فقط.
شبكة أمان محدودة
رغم الفقر، تظهر الأسرة والقرابة: العمة التي تُنقذ الطفل، الأقارب الذين يستقبلون الهاربين.
وهذه الشبكات هي رأس المال الاجتماعي للمجتمع الريفي، لكنها: تعوّض جزئياً، ولا تستطيع حل المشكلة جذرياً. فالقرابة تُنقذ من الفضيحة، لا من المرض.
تحول الوعي
النص يسجّل تحوّلاً سوسيولوجياً مهماً: ما كان “عيباً” صار موضوع كتابة، وما كان مخجلاً صار قابلاً للسخرية.
وهذا التحول يعكس: انتقال الفرد من وعي تقليدي إلى وعي حديث، ومن الصمت إلى التفكيك.
الكتابة هنا فعل اجتماعي تحرّري، تكسر تابوهات الجسد والفقر.
الاستعارة الختامية
عندما يشبّه حاشد “ديدان الأمس” بـ“ديدان اليوم”، فهو يقوم بعملية نقل سوسيولوجي للمعنى: الدودة تساوي كائن يعيش على حساب الآخر، والمجتمع يقابل الجسد الجماعي، والفساد هو الطفيلي الاجتماعي.
وهذه استعارة شائعة في الأدبيات الاجتماعية لوصف: النخب الطفيلية، واختلال توزيع الموارد، واستنزاف المجتمع من الداخل
خلاصة سوسيولوجية
«أمراضنا وعللنا» نص عن: مجتمع يعيش خارج الحداثة الصحية، وأجساد تحمل آثار التفاوت الاجتماعي، وثقافة تُسكِت الألم وتطبع المعاناة، وووعي يحاول لاحقاً تفكيك هذا الإرث.
النص يثبت أن: المرض ليس مسألة طبية فقط، بل نتيجة اجتماعية كاملة.
شخصية الكاتب
قراءة شخصية أحمد سيف حاشد من خلال نصه «أمراضنا وعللنا» تقتضي التعامل مع النص بوصفه مرآة نفسية – اجتماعية، لا سيرة ذاتية مباشرة. وهنا لا يقدّم الكاتب نفسه كما يريد أن يُرى، بل كما تكوَّن عبر الألم، والفقر، والوعي المتأخر.
شخصية تشكّلت في الهامش لا في المركز
أحمد سيف حاشد في هذا النص هو ابن الهامش بكل معنى الكلمة: هامش الدولة، وهامش الصحة، هامش الرفاة، وهامش المعرفة الحديثة.
هذا الانتماء المبكر للهامش يفسّر لاحقاً نزوعه الدائم للانحياز إلى: الفقراء، والمهمشين، والمقموعين.
الشخصية هنا لم تُنتجها الامتيازات، بل الحرمان، وهو حرمان لا يُذكر كتظلّم، بل كمعطى تأسيسي للذات.
حساسية عالية تجاه الجسد والألم
النص يكشف عن شخصية ذات: وعي جسدي مبكر، وذاكرة ألم حادة، وقدرة على استدعاء التفاصيل الجسدية بلا مواربة.
هذه الحساسية ليست مرضية، بل دلالة على: إنسان عاش الألم لا بوصفه فكرة، بل تجربة، وشخص لا يكتب عن المعاناة من الخارج، بل من الداخل.
ولهذا تأتي لغته عن المرض صادقة، غير متعالية، خالية من الرثاء الزائف.
الشجاعة في كسر التابوهات
واحدة من أبرز سمات شخصية حاشد هي الجرأة الأخلاقية: يكتب عن الديدان، وعن الخجل، وعن الفضيحة، وهو شخصية تخوض في المسكوت عنه، وهذا مؤشر على: تحرر داخلي من سلطة “العيب”، واستعداد لتحمّل الكلفة الرمزية للصدق.
هذه الجرأة ليست استعراضية، بل نابعة من قناعة بأن الكشف فعل وعي.
شخصية نقدية لا استسلامية
رغم كثافة الألم، لا يظهر الكاتب كشخص منكسر أو مستسلم: لا يقدّم نفسه كضحية، ولا يستدر العطف، ولا يطلب الشفقة. بل يعيد تفسير تجربته لاحقاً: يسخر منها، يحللها، ويحوّلها إلى معرفة.
وهذه سمة شخصية نقدية، قادرة على: المسافة من الذات، وإعادة بناء المعنى.
وعي طبقي مبكر ومتأخر في آن
الكاتب يُظهر وعياً طبقياً مبكراً في الإحساس بالفقر، ومتأخراً في تفسير أسبابه.
هو لم يكن يعرف في طفولته لماذا يعاني، لكنه لاحقاً: ربط الجسد بالسياسة، والمرض بالفساد، والفقر بالبنية الاجتماعية.
هذا يدل على شخصية: تطورت بالقراءة والتجربة، ولم تتوقف عند حدود الألم الشخصي.
علاقة مركّبة بالسلطة والذكورة
ضحك الأب، والخجل، والخوف من الفضيحة، تكشف عن: سلطة أبوية حاضرة، وذكورة ريفية صارمة.
لكن الكاتب لا ينتقم منها، بل يفهمها، ويضعها في سياقها، ويتجاوزها بالكتابة.
وهذا يشير إلى شخصية لا تسعى للثأر الرمزي، بل للفهم والتجاوز.
النزوع الإنساني مقابل النزعة الأيديولوجية
رغم أن الخاتمة سياسية، إلا أن الشخصية في النص: لا تتكلم بلغة شعارات، ولا تحاكم العالم بمنطق أيديولوجي صارم. بل تنطلق من: الجسد، والتجربة، والذاكرة.
وهذا يشي بشخصية إنسانية النزعة، ترى السياسة امتداداً للألم الإنساني لا بديلاً عنه.
التحول من الخجل إلى السخرية
الانتقال من هلع الطفل إلى سخرية الرجل دلالة على: نضج نفسي، وتصالح مع الذات، وقدرة على إعادة امتلاك التجربة.
والشخصية هنا لا تنكر ماضيها، بل: تعترف به، وترويه، ووتحوله إلى قوة سردية.
ضمير أخلاقي مشتبك مع الواقع
أحمد سيف حاشد في هذا النص ليس راوياً محايداً، بل شاهد، ومُدان ومُدين في آن، وصاحب ضمير يقظ.
هو لا يتحدث فقط عن نفسه، بل عن: جيل، وطبقة، مجتمع.
وهذا ما يفسر حضوره لاحقاً كمثقف مشتبك، لا منعزل.
خلاصة
من نص «أمراضنا وعللنا» تتشكل صورة أحمد سيف حاشد بوصفه: شخصية خرجت من القاع لا من الأعلى، ومثقفاً صنعه الجسد قبل الفكرة، وناقداً شجاعاً كسر الصمت والعيب، وهو إنسان حوّل الخزي إلى وعي، والألم إلى موقف.
إنه كاتب لم ينسَ جسده الأول، ولذلك لم يتصالح يوماً مع الظلم، لأن الظلم عنده ليس مفهوماً مجرداً، بل تجربة عايشها في الدم، والمعدة، والحياء، والذاكرة.
نص “أمراضنا وعللنا”
أحمد سيف حاشد
قُرانا كانت تفتقر للكثير مما نحتاجه أو نلجأ إليه. لا توجد مستوصفات صحية ولا مرافق طبية. لا توجد مختبرات يمكنها كشف عللنا وتشخيصها حتى اليسير منها.. لا يوجد شيء اسمه وعي صحي، ولا شيء لدينا اسمه إرشادات طبيب.. كان غالباً التوكل في الصحة على الله، وكثيراً ما كانت تتدهور الصحة ويهتد حيلنا من المرض. كان الممكن قليلاً وغير متسع، أو هو في حكم ما قل وندر لمن لديه بعض من فسحة ومقدرة.
كانت العلاجات المتوفرة في “الدكاكين” لا تزيد أسماؤها عن عدد أصابع اليد الواحدة؛ وهي “الأسبرو” و “الأسبرين” و “أبو فاس” و “المستليتم” و “شربة سَنا” وزائداً عليها “ماء الغريب” الذي نحشش به أطفالنا ليناموا على وجعهم وجوعهم.
هذا كل ما نعرفه عن العلاج الذي يباع، ومتعارفٌ عليه في تلك الأيام.. هذه كانت كل صيدليتنا التي نلوذ بها ونلجأ إليها كلما داهمنا الرشح، أو الزكام أو الحمى أو وجع الرأس أو ألم المفاصل وصرير العظام.
أما الكي أو ما نسميه بـ”المياسم” فيستخدم لمعالجة بعض الأمراض التي لم تستجب للعلاج المعتاد، أو كانت مستعصية على ذلك الزمان والمكان. إذا عجز المريض من الحصول على الطبيب والتطبيب المناسب؛ فالكي آخر العلاج، وربما ليس بآخره، وهناك من فضّله. وربما تتعدد وتتنقل “المياسم” في الجسد الواحد بحثاً عن الشفاء، حتى وإن تركت تشوهات فيه، ورافقت أصحابها حتى آخر العمر. وبالكي على المريض أن يشفى، أو يصبر ويبحث عن البديل، أو يصابر وينتظر موته معلولاً بالمرض الذي يعانيه.
أما ما نسميه “الصفار” ويسمّى اليرقان، فكان يصيب عدداً غير قليل من الناس، وكان العلاج هو قطع أحد الأوعية الدموية تحت اللسان.. والتشافي كان غالباً ما ينجح، ويستعيد المرء لونه وصحته، والبعض تتضافر أمراضه، وتسند بعضها بعضاً، حتى تهد قواه وتتلاشى حيلته، ويمضي إلى حتفه مختاراً أو غير مختار.. مستسلماً و راضياً أو دون رضاه.
أما الجراح فكنّا نستخدم الأشجار لتلتئم من خلال مادة صمغية توجد في شجرة “الأبكي”.. وهناك بعض النبات والأشجار الأخرى يمكن أن يتم اللجوء إليها لأمراض أخرى اعتاد عليها الناس كـ “القُطِّبة” مثلاً لتفتيت أو وقف نمو حصوات الكلى أو مساعدتها على الخروج.
كما أن بودرة “البنسلين” ربما تصل إلي المريض عبر صحي، أو طبيب يأتي من بعيد إن كان للمريض سعة ومقدرة، فيتشافى أو يدركه الأجل. علماً أن هذا لا يحدث إلا نادراً بسبب اتساع الفقر وقلة الميسورين..
أما خلع الأسنان فربما تجد من يقوم بها في مكان غير بعيد، ولكن من دون تخدير أو إحتراف.. أما تسوس الأسنان فكان يوجد في قريتنا فقيهاً يعالجها بطريقة نقلها من الحبشة تشتمل على “عرصم” وأنبوب وشمعة، أما صناعة الفك والأسنان؛ فكان يمتهنها رجل يأتي من بعيد، ربما يمكث أسبوعاً أو أقل في قرانا، ثم يرحل، ولا يعود مرة أخرى إلا بعد عام أو أكثر.. وهذا الرجل يبدو أنه كسب مهنته تلك بالخبرة لا بالتعليم والدراسة.
المصل أو التطعيم لم نعرفه غير مرة وصل إلينا عبر المدرسة، وكان ضد مرض الجدري.. ما زلت أحمل “مشلاه” على ساعدي إلى اليوم. كنا نشعر أننا نعيش في مكان قصي من هذا العالم العصي حتى على مخيلتنا في تلك الأيام.
الطبيب والذي كان أبي يسميه “الحكيم” لا يوجد إلا في منطقة بعيدة لم نلجأ إليه إلا إذا بلغ المرض مبلغه، وصارت الأعراض شديدة تكبّنا إليه كبّاً.. ولكن لا نلجأ إليه في الغالب إلا إذا كان الحال يسمح, والمرض قد أصابنا بمكين. كنّا نقاوم أمراضنا أو نتعايش في الغالب معها حتى تهدّنا أو تدفعنا الضرورة إن كان في الأمر متسع للذهاب إلى الطبيب الذي يبعد عنّا أميالاً وفراسخ.
المرَّتان اللتان أسعفتُ فيهما إلى الطبيب في القرية؛ كانت الأولى إلى منطقة “ثباب” في الشمال، والثانية إلى عيادة في منطقة “شعب” بالجنوب، والتابعة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.. حدث هذا عندما داهمني انقطاع النفس فجأة في ساعة متأخرة من الليل في حالة تشبه “الربو” أو هي كذلك. وفي الحالتين كان إسعافي قد تم على ظهر حمار.. لم تكن السيارات يومها تصل إلى قرانا.
كنّا في قرانا غالباً نتعايش مع أمراضنا، أو هي تتعايش معنا، وحالما يهدّنا المرض يمكن أن نبحث عن حيلة أو طبيب، أو نقصد المدينة لمن له قدرة وسعة. أغلب الناس كانوا لا يصلون إلى طبيب أو مدينة. كنّا نتعايش مع “المخاوف” كلها.. كان الفقر والمرض يتكالبان علينا، وينالان منّا كل منال.
* * *
ذهبنا إلى سوق الخميس أنا وابن عمي سالم. عزمنا على الهروب، وهربنا بالفعل إلى منطقة “الرما” لنلجأ إلى بعض أقاربه هناك. كان فعلنا أشبه بلجوء إنساني ننشده. وفي طريق هروبنا في “العتبة” شاهدتُ الجبال تسير بسرعة.. حاولت دعك عينَيَّ وإمعان النظر فيما أراه فوجدته يبدو مؤكداً، بل رأيتها تركض بسرعة مذهلة.
سألت رفيقي سالم، الهارب معي، هل يرى ما أراه؛ فأجابني أنه أيضاً يشاهد ما أشاهده.. الجبال كلها حولنا تسير بعجل وسرعة. تحدثنا واتفقنا أن ما نشاهده حقيقة لا خيال.. بدا لنا الأمر وكأن إلهاماً سماوياً واكشافاً عظيماً خصّنا الله به.. ظننا أننا أعدنا اكتشاف ما سمعناه عن دوران الأرض، وسير الجبال، والحقيقة هي إن كلينا كانا دائخين ويعيشان لحظات دوار، بسبب سوء التغذية وعدم تناول وجبة الفطور.
وصلنا إلى منطقة “الرما”.. استقبلنا بعض من أهله بفزع، ومخاوف من ردود فعل أهلنا. استضافونا ساعة زمن، ثم أعادونا إلى أهلنا بعجل.
عانيتُ في طفولتي من الدوخة والإعياء وفقدان الشهية. عانيت من ضعف وإنهاك وإرهاق وسوء تغذية. آلام في البطن تشتد بعض الأحيان، ومغص وبعض اضطرابات معوية تنتابني بين حين وآخر.
أحياناً أعاني من القيء والإسهال وانتفاخ البطن. أحياناً أشعر بحاجتي للتبرز وقتاً طويلاً أو معاودة التبرز بعد وقت قصير، ثم لا أرى أحياناً إلا شيئاً قليلاً من الخراج، لا يخلو من مخاط، وكنّا نسمي تلك الحالة بالـ”أُزَّه”، ونعاني من أمراض معوية أخرى، وأعراض شتى وأكثر.
كنت أبدو منهكاً وأعاني من أمراضي وأحاول التعايش معها، وكان يرجع جلّها إلى عدم توفر الأكل الصحي وقبله الماء النظيف. في مواسم النزاف ولاسيما الشديد منه كان الغالب على الماء الذي نجلبه من الآبار ونشربه متكدراً ورائحته لم تعد مستساغة، إن لم تكن قد صارت كريهة، ولا بديل لنا ولا مناص إلا أن نشربه.
لقد كنّا نعيش صراعاً من أجل الحياة والبقاء، وكان بعض مما يبقينا على الحياة هو في الوقت نفسه جالبٌ للمرض أو مسبب له.. أقدار فرضت علينا مشيئتها دون سؤال، وعيش اضطراري مرغمون عليه، وغياب البديل.. “مكرهٌ أخاك لا بطل”.
فقر الدم كان ملازماً لطفولتي، أو هذا ما عرفته لاحقاً.. وأكثر منه كنّا مستوطنات لكائنات تعيش فينا رغماً عنّا.. كنت أشعر أن أمعائي في بطني قد تحولت إلى مستوطنة للديدان الكثيرة والمتنوعة.. كنت أشاهد الديدان في برازي أكثر من نوع وفصيل، غير أن في إحدى المرات كانت المفاجأة كبيرة فاقت تصوّري وتحمّلي، بل وخيالي أيضاً.
* * *
كان أبي يفلح بمدرج في الجبل، وعمتي أم عبده فريد في مكان غير بعيد، وكنت أنا أقضي حاجتي في مكان قريب منهما. ذهبت لأتبرز وبدلاً من البراز شاهدت شيئاً يخرج من أمعائي عبر فتحة الشرج.. كائناً أبيض يشبه الثعبان.. سألت نفسي في لحظة اضطراب وإرباك: ثعبان يعيش في بطني.. ماذا يفعل وكيف يعيش؟! أنا الآن في أي لحظة معرَّض للدغه.. لقد عشت لحظات إرباك تفوق خيالي!! جالدتُ نفسي، وحاول حيائي أن يعينني على الصبر. ولكن ما حدث كان أكبر مني ومن خيالي!
عشتُ لحظات من المحنة والحيرة والهلع الكبير.. استمررت بزحاري لأخرجه، ولكن بدا لي أن الثعبان يطول، وصبري كاد ينفد، فيما ذلك الكائن العالق مستمر بالتمدد والخروج.. وصل طرفه الأرض وهو مازال متدلياً من فتحة الشرج يتمدد ويطول، ولا أدري طرفه الآخر إلى أين يمتد.. تخيلت أنه أكبر من أمعائي.. اعتراني مزيد من الخوف والهلع والاضطراب.
حاولت أن أتحمل الأمر لعله يكتمل خروج هذا الكائن الغريب، ومن دون أن يحدث ما بدا لي أشبه بالفضيحة. إن صرخت وعرف الناس قصتي ربما تظل تلاحقني بقية عمري دون فكاك، غالبتُ نفسي، وكابدت حيائي للحظات؛ فيما هذا الكائن مازال متدلياً دون أن ينتهي، ودون أن أعرف منتهاه!!
نفدَ صبري وفاق الأمر تحملي وخيالي، وتجربة طفل ما زال منعدم المعرفة بحالة كتلك.. لم أعلم لكتمان مثل هذا قد أصاب غيري كبيراً كان أو صغيراً.. لم أمر من قبل بتجربة مماثلة وعلى هذا النحو من الجسامة التي بدت أكبر منّي. كانت التجربة قاسية، واللحظات المربكة فظيعة على طفل مثلي.
انطلقتُ بهلع يسبق الصوت.. انطلقتُ وأنا أصرخ صراخاً متطايراً في كل اتجاه “حنش.. حنش.. حنش…” والهلع يجتاحني من رأسي حتى أخمص قدمَيَّ.. صراخي يسبق ركضي بمدى الصوت.
هرعت عمتي مسرعةً نحوي، وحاولَت تستكشف الأمر، وما لِبثَت أن عرفت قصتي، فسحبت ذلك الكائن إلى الخارج وهي تقول “قلاليط.. قلاليط” لم أكن أعلم بهذا الاسم.. أول مرة أسمع به وبدا لي من تصرفها وهي تهدئ من روعي انه معروف لديها ومخبور إن لم يكن شائعاً.. استمرت تهدّئ من فزعي وهلعي، وتهدهد خجلي وحيائي الكبير الذي استبد بي، وكان يشتد مع لحظاتي التي تمر.
شاهدتُ الدودة من قامتي وهي كثعبان على الأرض، ربما يتنفس أو يبدي حركات خفيفة، هدأ روعي وفي المقابل اشتد خجلي من نفسي بما لا سابق له.. أحسست أن خجلي يبتلعني.. تمنيتُ لحظتها أن تبتلعني الأرض التي أقف عليها حتى لا يراني أحد، وعرفت أنه كان يلزمُني قليلٍ من الصبر لأتمكن من التخلص من ذلك الكائن الذي أصابني بالهلع، ثم أسأل عنه وعمّا حدث لي، وأعرف كل شيء بجواب سؤال.
ما حدث فاق سني وتجربتي، وكانت المرّة الأولى التي وقعتُ فيها على ذلك النحو الذي أخزاني، وأحسست أن الجبل رصد كل ما حدث لي ورآه بأم عينيه، فيما أبي عرف الأمر وكان يقهقه بصوت زادني خزياً وحرجاً أشد.. إن هلعي وروعي الذي بلغ ذروته تحول إلى لحظات خزي تشبه الفضيحة.
لحسن حظي أن أقراني الأطفال لم يعلموا بقصتي، وإلا لكانت فضيحتي على كل لسان، وربما دفعتني للانتحار أو للهروب بعيداً عن قريتي إلى مكان قصي أعيش فيه بعيداً عما عشته ورأيته.. ولكن عندما كبرتُ ووعيت وخبرتُ الحياة بدا لي الأمر عادياً جداً، بل وبإمكاني أحكيه وأكتبه وأسخر منه، وأكثر من هذا تيقنت أن حجم الوعي أو تناميه يمكنه أن يبدِّل نظرتنا لكثير من الأشياء والمفاهيم بما فيها “العيب” الذي لطالما عشناه.
كانت تلك الديدان المتنوعة صغيرها وكبيرها تقتات من غذائي وما في معدتي.. تقاسمني حقي في العيش والحياة، بل وشعرتُ أنها كانت تقتاتني دون علمي.
عندما كبرت وقرأت عرفت أن ذلك “الثعبان” الذي أتصوره إنما هو دودة “الأسكارس” ويطلق عليها أيضاً اسم “ثعبان البطن”، حيث يبلغ طوله تقريباً ٢٧ سم، وتتراوح ذروة الحياة بالنسبة له من عامين إلى ستة أعوام.
أما ديدان “الإسكارس” اليوم فهي غير تلك التي الذي شهدتُ كبيرها في طفولتي الباكرة.. وهي أشبه بالذين هم أشد واغلظ.. أكثر نهماً وضرراً وفتكا.. يتورمون فساداً ونهباً.. استولوا على قوت شعبنا الذي بات بوجودهم يتضور جوعاً، ويموت مجاعة.. بات الوطن بما فيه لا يكفيهم.. أفسدوا حياتنا والتهموا وطناً من أوله إلى آخره، ويتمنون لو استطاعوا إفساد الكون كله.
* * *




