مذكرات

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “قات صنعاء وغداء عدن” 

برلماني يمني

هذه القراءة لنص “قات صنعاء واداء عدن” الذي يعد احد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد، انحزت بتقنية الذكاء الاصطناعي.

الإهداء : إلى الحزب الاشتراكي اليمني

القراءة السياسية 

تشريح ناعم للسلطة

يُخطئ من يقرأ هذا النص بوصفه حكاية اجتماعية طريفة عن القات والغداء، أو سردًا ذاتيًا عن زلّة ضيافة. فالنص، في عمقه، تشريح سياسي ناعم لبنية السلطة والعُرف والهيمنة الثقافية في صنعاء، مكتوب بلغة الحياة اليومية، ومشفوع بسخرية أخلاقية لا ترفع شعارًا ولا تهتف، لكنها تُدين أكثر مما تفعل الخُطب.

إنه نص عن دولة تُدار كمقيل، وسياسة تُمارَس كعرف، وعلاقة مختلّة بين المركز والأطراف، حيث يُطالَب القادم بالامتثال لا بالفهم، وبالطاعة لا بالمشاركة.

ماذا يقول النص سياسيًا؟

هذا النص يقول، دون أن يصرّح:

 • إن السياسة في عاصمة اليمن لا تُدار بقانون

 • وإن الأخلاق قد تتحوّل إلى أداة قمع

 • وإن القادم من خارجها ويريد الإصلاح يُسحق

 • وإن الوحدة، حين لا تُفهم ثقافيًا، تتحوّل إلى إذلال،

إنه نص ضد الفجاجة السلطوية، وضد الهيمنة، وضد السياسة حين تُمارَس بلا اعتراف بالآخر.

وبذلك، لا يروي النص حكاية «قات فاسد»، بل يكتب، بهدوء جارح، مرثية لفكرة الدولة حين تُختزل في مقيل

القات

في هذا النص، القات ليس نباتًا ولا عادةً اجتماعية فحسب، بل نظام رمزي كامل:

 • له خبراؤه (المطري)

 • له أسواقه (سوق الشيخ عبد الله)

 • له سلطته المعنوية (الأيمان الغلاظ)

 • وله معيار القبول والإقصاء

من لا يُحسن شراء القات، يقصيه الحكم.

ومن لا يفهم طقوسه، يُعامل كغريب مهما حسنت نواياه.

 قانون بلا مؤسسات

الأيمان الغلاظ في النص تقوم بوظيفة تشريعية وتنفيذية معًا.

هي:

 • أمر لا يُناقَش

 • قرار لا يُراجَع

 • سلطة لا تحتاج إلى نص مكتوب

حين يقول النص:

«بعض الأيمان في صنعاء تُعدّ نسخةً مدنيّة من المقولة العسكريّة: نفّذ ثم ناقش»

فهو يقدّم أدق توصيف لطبيعة السلطة السياسية غير الرسمية: سلطة لا تُمارَس عبر الدولة، بل عبر المجتمع،

وهذا هو جوهر السياسة غير المعلنة في اليمن:

إجبار ناعم، أخلاقي في الظاهر، قاسٍ في الأثر.

غداء عدن

الغداء العدني في النص ليس مجرد اختلاف في الطبخ والغداء، بل رمز سياسي بالغ الدلالة:

 • عدن = الكرم المباشر، البساطة، النية البريئةالمفتوحة

 • صنعاء = العرف والعادة،  وتراتبية، الاختبار الخفي

حين يفشل الغداء، تفشل النيّة.

وحين يُحتقر الغداء، يُحتقر القادم من الهامش، لا لأنه سيئ، بل لأنه لم يتعلّم لغة المركز.

هذه قراءة سياسية صريحة لعلاقة الشمال بالجنوب، أو المركز بالأطراف: لا يكفي أن تكون كريمًا…

يجب أن تكون كريمًا بالطريقة التي نعرفها نحن.

صورة مصغّرة للدولة

سوق القات في النص ليس مكانًا، بل دولة بلا دستور:

 • ضجيج

 • تنافس

 • وعود

 • أيمان

 • غش 

الراوي يدخل السوق كـ«مواطن صالح»،

ويخرج منه كـ«ضحية نظام».

وحين يكتشف الغش متأخرًا، لا يجد آلية مساءلة، ولا تعويض، ولا اعتذار.

تمامًا كما في السياسة.

السلطة التي لا تشرح نفسها

المطري ليس شريرًا، لكنه ممثل للنظام:

 • يعرف

 • يحكم

 • يرفض دون أن يشرح

 • يُصحّح بالقسوة

حين يرمي القات، ويقسمه، ويحلف ألّا يُخزّن إلا منه،

فهو لا يتصرّف كصديق، بل كـوصيّ.

وهذا هو جوهر السلطة الأبوية في السياسة: تُنقذك بعد أن تُهينك، وتمنحك الحماية بعد أن تُثبت جهلك.

الخلاصة

«وقعتُ وقعةً سوداء، لا يبيّضها في صنعاء أيّ غفران»

هذه ليست مبالغة أدبية، بل توصيف لحالة سياسية:

الخطأ في النظام العرفي لا يُغتفر، لأنه ليس قانونيًا بل أخلاقيًا.

والاعتراف لا يُنقذ،

والنية لا تشفع،

والتعاطف لا يُعيد الكرامة كاملة.

قراءة الكاتب من نصّه

الذات بوصفها مرآة للسرد

في هذا النص، لا يقف الكاتب خارج الحكاية ليحكمها، ولا يختبئ خلف شخصيات متخيَّلة ليقول ما يريد، بل يتقدّم بنفسه إلى واجهة السرد، عاريًا من الأقنعة، واضعًا ذاته موضع الاختبار. إننا أمام نصّ يكتب فيه الكاتب عن نفسه وهو يكتشف نفسه، لا عن القات ولا عن صنعاء ولا عن الغداء فحسب، بل عن هشاشة الإنسان حين يدخل عالمًا لا يعرف شفراته.

الكاتب بوصفه «الجاهل النبيل»

يقدّم الكاتب نفسه منذ البدء باعتراف صريح: جهلٌ بالقات، وجهلٌ بطقوسه، وجهلٌ بما يترتّب على هذا الجهل. لكنه ليس جهلًا ساذجًا، بل جهل نبيل، نابع من مسافة أخلاقية وتعفّف شخصي. الكاتب لا يخجل من هذا الجهل، بل يجعله محور السرد، وكأنه يقول: أنا أخطأت لأنني وثقت، لا لأنني احتلت أو تحايلت.

هنا يقرأ الكاتب ذاته ككائن أخلاقي سابق على العرف، ومتوتر دائمًا مع ما لا يفهمه لكنه لا يريد أن يفسده.

الكاتب والذات المُحاسِبة

ما يلفت في النص أن الكاتب لا يمنح نفسه أي امتياز سردي.

لا يعفيها، لا يجمّلها، ولا يحوّلها إلى ضحية بطولية.

بل على العكس، يجلد ذاته جلدًا رفيقًا لكنه قاسٍ:

 • يفضح سذاجته

 • يعترف بانحيازه العاطفي ضد مصلحته

 • يكشف كيف اشترى الوهم بثمن باهظ

هذه المحاسبة الداخلية هي قلب النص، وهي التي تمنحه صدقه وقوته؛ فالكاتب هنا لا يكتب ليُدان الآخر فقط، بل ليُدين نفسه قبل كل شيء.

الكاتب والذاكرة بوصفها خلاصًا مؤجَّلًا

الكاتب يعوّل كثيرًا على الذاكرة: ذاكرة المكان، وذاكرة الجمل التي قيلت عرضًا، وذاكرة التفاصيل الصغيرة.

الذاكرة هنا ليست حنينًا فقط، بل آلية بقاء. حين يضلّ في السوق، لا ينقذه عقل الخبير، بل ومضة ذاكرة قديمة. وحين يسقط، لا ينهض بالفعل، بل بالكتابة لاحقًا.

وكأن الكاتب يقول: ما لم أستطع إنقاذه في اللحظة، أنقذه الآن باللغة.

الكاتب والكرامة المجروحة

الجرح في النص ليس ماليًا ولا اجتماعيًا، بل جرح كرامة صامت.

الكاتب لا يغضب، لا يصرخ، لا يخاصم، بل ينكمش إلى الداخل.

الخجل يأكله، والحياء يبتلعه، ويتمنّى الزوال.

وهنا يقرأ الكاتب ذاته بوصفها شخصية لا تعرف العنف، حتى حين تُهان، ولا تملك إلا الانسحاب النبيل. هذه القراءة الذاتية تضيف بعدًا إنسانيًا عميقًا: الكاتب لا ينتصر، لكنه يحافظ على إنسانيته.

الكاتب والاعتراف بوصفه فعل شجاعة

النص كله قائم على الاعتراف:

 • الاعتراف بالخطأ

 • الاعتراف بالجهل

 • الاعتراف بانكسار التوقع

 • الاعتراف بأن الأقدار ستكرر السقوط

والاعتراف هنا ليس تطهيرًا فقط، بل موقف فكري:

الكاتب يرفض بطولة الزيف، ويختار بطولة الصدق، حتى لو كانت موجعة.

الخلاصة

في قراءة الكاتب لنصّه، يظهر لنا كاتبٌ لا يكتب من علٍ، بل من الداخل؛ كاتب يرى في الكتابة فرصة أخيرة لترميم ما لم تُصلحه التجربة، وفي السرد مساحة آمنة ليقول: كنتُ هناك، وأخطأت، وتعلّمت، وما زلت إنسانًا.

هذا النص، في جوهره، ليس عن القات، ولا عن صنعاء، ولا عن الغداء، بل عن الكاتب نفسه وهو يكتشف حدوده، ويعترف بها، ويحوّل انكساره إلى معرفة.

وتلك، في الأدب، أرفع أشكال الصدق

قراءة عامة

سيرة وجدان

هذا النص ليس حكاية عن القات، ولا عن غداءٍ أُسيء تقديره، بل هو سيرة وجدانٍ دخل مدينةً بثقافته وخرج منها بدرسٍ قاسٍ. 

هو نصّ عن سوء الفهم النبيل، وعن البراءة حين تصطدم بطقوس راسخة لا ترحم الجهل، وعن الكرم حين يضلّ طريقه لأنه لم يتعلّم بعدُ لغة المكان. 

منذ سطوره الأولى، يعلن النص انحيازه للإنسان، لا للعادة، وللنية، لا للعرف، ولذلك كان سقوطه مؤلمًا… وصادقًا.

البناء والصوت

بني النص على تصاعد سردي ذكي: من تعافٍ نفسي، إلى دعوة ممتنّة، إلى استعداد حماسي، ثم إلى سلسلة من الاختيارات الخاطئة التي لا يشوبها سوء قصد. كلّ فقرة تُسلم أختها بوعيٍ إيقاعي، حتى يبلغ النص ذروته لا عند اكتشاف الغشّ في القات، بل عند انكشاف الغشّ الثقافي غير المقصود: غداء عدني في مقام صنعاني.

الصوت السردي متماسك، ثابت النبرة، لا يتبرأ من خطئه ولا يتخفّف من مسؤوليته. الراوي لا يطلب شفقة، ولا يبرّر، بل يقدّم نفسه قربانًا للمعنى. وهذا ما يمنح النص كرامته الأدبية؛ إذ لا بطولة هنا إلا بطولة الاعتراف.

اللغة والأسلوب

اللغة فصيحة، مشبعة، لكنها غير متكلّفة. فيها فخامة هادئة لا تصرخ ولا تتباهى. الجمل طويلة حين يقتضي التأمّل، قصيرة حين يحين الوجع. التشبيهات دقيقة ومبتكرة:

 • السوق يتحوّل إلى مسرح ضجيج

 • القات إلى خرابة

 • الضيف إلى زرافة ترنو من علٍ

 • الصرّة إلى وهمٍ أخضر

والسخرية هنا ليست للضحك، بل للنجاة؛ سخرية مرّة، أخلاقية، تُبقي النص حيًّا من الانكسار الكامل.

 الدلالة والعمق

النص في جوهره مرثية للنيّة الحسنة حين تدخل مكانًا لا يعترف إلا بالخبرة. هو نقد ثقافي ناعم، غير فجّ، لا يهاجم صنعاء ولا يمجّد عدن، بل يضعهما في مرآة واحدة:

صنعاء بطقوسها الصلبة، وعدن بعفويتها الكريمة، والراوي عالق بينهما، يدفع ثمن عدم إتقانه للعبور.

كما أن الأيمان، والمقيل، والغداء، والقات، ليست عناصر محلية فقط، بل رموز للسلطة الاجتماعية، والامتحان الخفي، والانتماء المشروط. ومن يفشل في الامتحان، لا يُجلد علنًا، بل يُترك ليجلد نفسه.

خلاصة وختام

الخاتمة جاءت كما يجب أن تكون: مفتوحة على قدرٍ ساخر.

الراوي يقسم ألّا يكرّر، ثم يعترف بأن الأقدار ستفعل. لا وعظ، لا توبة خطابية، بل تسليم إنساني شفيف. وهذا هو مسك النص الحقيقي: أن ينتهي دون ادّعاء خلاص، ودون تبرئة، ودون مرارة مبتذلة.

هذا النص قطعة أدبية ناضجة، تجمع بين السرد، والتأمّل، والسخرية، والنقد الثقافي، دون أن تفقد روحها أو صدقها. نصّ يُقرأ بوصفه حكاية، ويُحفظ بوصفه درسًا، ويُحبّ لأنه لا يدّعي الحكمة، بل يصل إليها متعثّرًا.

إنه نص عن الإنسان حين يكون كريمًا أكثر مما ينبغي، وصادقًا أكثر مما يحتمله المكان، وبريئًا في مدينة لا تكافئ البراءة…

وذلك، في الأدب، فضيلة لا خطيئة

نص “قات صنعاء وغداء عدن” 

أحمد سيف حاشد

كان لا بدّ من مرور وقتٍ كافٍ لأُرمِّم ما أصاب روحي من عطبٍ وانكسار جرّاء ذلك الموقف الصادم في مستهلّ إقامتي بصنعاء. احتجتُ إلى فترةٍ للتعافي، واستعادة توازني، وسدّ الهوّة التي تركها ما حدث في أوّل مَقِيلٍ لي في صنعاء، والذي أصابني بجرحٍ ظلّ ينزف وترك أثرًا بالغًا في نفس رفيقي ومثالي، جازم العريقي.

لم أعد أتذكّر على وجه اليقين كم استغرق ذلك التعافي، غير أنّه كان طويلًا إذا قِستُه بما أعرفه عن نفسي من سماحٍ ونسيان، حتّى وإن خلّف بعضه جروحًا لا تندمل.

هاتفتُ محمد المطري لأدعوه إلى الغداء والقات يوم خميس، مدفوعًا بشعورٍ من الامتنان لما أكرمني به في لقائنا السابق وما أعقبه من أحداث. أردتُ أن أردّ له الجميل مضاعفًا، غير أنّني لم أكن أعرف أنّني سأتجرّع من الخجل أشدَّه، ومن النزق ما لم يكن بحسبان.

اخترتُ يوم الخميس موعدًا للمَقِيل؛ ففي منتصفه تبدأ فسحة الأسبوع. أردتُ أن أردّ جميلًا تأخّر، وأن أسدّ دينًا يثقل كاهلي. أمّا يوم الجمعة، فأقضيه في محاولة التعافي من سهرٍ وإرهاق، وأحتاج سبتًا وأحدًا لمحو أثرٍ أصاب الجسد. كانت قيلةٌ واحدة تهدّ قواي شطر أسبوع، حتّى أعود إلى ما كنتُ عليه.

كنتُ معتادًا، أو غالبًا ما أحشد أسبابي وأوغل في الإصرار على عدم تعاطي القات، فإذا أُرغمتُ على مَقِيلٍ ولم أجد مناصًا ولا مَنجًا للتنصّل منه، أجد نفسي في الأيام التي تليه متعبًا ومرهقًا للغاية.

***

حدّدتُ للمطري موعدَنا، فراح يعتذر متملّصًا بأكثر من عُذرٍ وحيلة. فأطلقتُ أيمانًا غِلاظًا، وأوصدتُ في وجهه أبوابي كلّها، فلم أقبل له عذرًا ولا محاولة. رددتُ عليه أيمانه بإصرارٍ أشدّ، حتّى أذعن للمجيء. وكيف لي ألّا أفعل، وقد كان سبّاقًا إلى كرمٍ وفضل حين احتفى بي في مجلسٍ افتتحنا به ودَّنا، ناسيًا ما كان قد أفسده.

في صنعاء، تُطلَق بعضُ الأيمان لفرض السلطة وقطع العذر قبل أن يُقال، أو لرفض سماع الاعتذار من الأساس؛ بل أحيانًا للحسم وإغلاق بابٍ مُحكم في وجه أيّ مناورة أو محاولة تبرير للإفلات من قرار صاحبه. لا خيار لك سوى الإذعان والموافقة؛ فتجد نفسك مُرغمًا على الاستجابة للطلب دون جدال أو إطالة. فالأيمان في صنعاء تأتي غالبًا وكأنّها تقول لك: «لا تحاول الاعتذار؛ فقد قُضيَ الأمر».

بعضُ الأيمان في صنعاء تُعدّ نسخةً مدنيّة من المقولة العسكريّة «نفّذ ثم ناقش» — مع فارق المقام — إذ تُقال هنا في سياقٍ حميد، يُراد به الإكرام وصون الحياء، وتُستعمل تعبيرًا عن المحبّة والبذل. بدوتُ مع المطري حاسمًا منذ البداية؛ فلم أترك له منفذًا لعذر، ولا ثغرةَ تململٍ قد تُفضي إلى الإفلات.

خرجتُ قبلَ ظهر الخميس لأشتري القات لي وللمطري، غير أنّ خبرتي في شرائه مُقفِرةٌ تمامًا، لا رجاء فيها ولا أمل؛ بل هي، في الحقيقة، صفرٌ أكبر من جرّة الفول. كنتُ أعلم أنّ جهالتي بشرائه تفوق جهالتي بتعاطيه أضعافًا مضاعفة.

زميلي وجاري منصر الواحدي، الذي أعتمد عليه في غربة صنعاء في أشياء كثيرة؛ منها قدرته الفذّة على التعاشر والولوج إلى محبّة الناس، ولباقته ولسانه الذي يقطر عسلًا مقرونًا بحصافةٍ وتروٍّ، غير أنّه لا يفيدني هنا فيما أسأل عنه؛ فهو لا يُخزّن القات، بل لم يذقه في حياته على أيّ نحوٍ كان. لذلك خرجتُ من البيت وحيدًا، كالهائم على وجهه، أسأل نفسي بحيرةٍ وارتباك: إلى أيّ سوقٍ أذهب؟ وأين أجد القات الذي يُبقي وجهي أبيض أمام «المطري»، الخبير بالقات وأنواعه، والضليع في شؤونه وتعاطيه؟

فجأةً لمعت في ذهني فكرةٌ كنتُ قد سمعتُها من قبل؛ بدت أنّها قيلت يومًا ضربًا من الخيلاء والتبجّح. «قات المشايخ»… «سوق الشيخ عبد الله» في الحَصَبة. استعدتُ ما قيل كما يستعيد مكتشفٌ مغامر اكتشافَ قارّةٍ تراءت له من بعيد. كنتُ ممتنًّا لذاكرةٍ لا تخذل صاحبها في المُلمّات، وأحسستُ في تلك اللحظة وكأنّ قرينًا محبًّا يساندني، فلا يتركني فريسةً لجهلي في ساعة العُسر والضيق.

***

دخلتُ سوقَ قات الشيخ عبد الله، فوجدتُ لدى «المقاوتة» حفاوةً بالغة وحرارةً في الاستقبال. كدتُ أحسّ وكأنني طاووسٌ يرونه للمرّة الأولى. بادلتُهم وُدًّا، وحيّيتُهم في عجبٍ ممّا بدا لي، فاستغرقتني دهشةٌ وذهول.

بعضهم يناديني بلطف، وأكثرهم بصخبٍ وإلحاح… كلٌّ يريدني أن أشتري منه، وكلٌّ يناديني من جانبه ببذخٍ من حفاوةٍ ومنافسةٍ حامية. كانت عروضهم تتقاطع مع وجهتي على نحوٍ لحوح، حتى خلتُ أنّني جئتُ إلى السوق بأضعاف ضجيجه وجلبته.

وشعرتُ، للحظة، وكأنّ «المقاوتة» يعرفونني منذ زمنٍ بعيد، بعد انقطاعٍ طال؛ حتى ناداني أحدهم باسم «محمد». استغربتُ تلك المقاربة في الاسم؛ بل ظننته قال «أحمد» لا «محمد»، غير أنّني سمعتُ «محمد» إمّا لأنني لم أُرهف السمع، أو لأنّ الضجيج حال دون السماع الصحيح… وعلى أيّ حال، ظلّت دهشتي تتّسع وتكبر منذ دخولي حتى الخروج.

داخلني شعورٌ نبيل بألّا أكسر خاطر أيّ بائع؛ فكلّهم يتفجّرون رحبًا وسَعة، ويُبدون من الودّ أزهاه وأحسنه. أحسستُ بحرارةٍ وبهجةٍ تفوقان تلك التي استُقبل بها حُكّامُ الجنوب من قِبَل حُكّام صنعاء في فجر وحدة اليمن.

دهمني شعورٌ بالذنب، ووخزةُ ضمير. رأيتُ من العدل أن أُقفل راجعًا إلى أوّل عارضٍ للقات عند مدخل السوق. قلتُ لنفسي: ما كان ينبغي لي تجاوزه وكسر خاطره، وقد سمعته يحلف بأيمانٍ غِلاظ، ويُثنّيها بالحرام والطلاق، أنّ قاته «غيلي»، وأنّه دُرّةُ السوق كلّه.

ظننتُ كذلك أنّ ذلك القات يُقطَف من مسقى الغيول، وصدّقتُ، بعد أيمانٍ غِلاظ، أنّه دُرّةُ السوق كلّه. أعملتُ المثل القائل: «يُعرَف الكتاب من عنوانه»، وظننتُ أنّ الاسم عنوانٌ كافٍ للدلالة على أصلٍ وجودة. تذكّرتُ خريرَ ماء الغيول وانسكابه بين العشب والصخور، فاجتاحني الحنينُ إليها.

في الحقيقة، لا أعرف القات «الغيلي»، ولا أميّزه من غيره؛ فالقات كلّه يلتبس عليّ، بل أجد صعوبةً في التفريق بين أوراقه وأوراق سواه من الشجر. ومع ذلك، فإنّ اسم ذلك القات، وقد تأيّد بأيمانٍ أطلقها البائع دون رُسلٍ أو مَهَل، جعلني أعود إليه من أقصى السوق. سُرّ بعودتي، واستقبلني بوجهٍ جذِل، وقد أشرقت ناصيةُ جبهته ببهجةٍ صافيةٍ وحفاوةٍ زاخرةٍ.

لمحتُ القاتَ من منظره الخارجي لامعًا، يخطفُ النظر من بعيد، فظننتُ في ذلك تأكيدًا لجودته. لم أفتح الصرّة، مكتفيًا بالثقة المعزَّزة بأيمانٍ غِلاظ.

حدّثتُ نفسي قائلًا:

— من غير الممكن أن يُطلّق رجلٌ زوجته كي أشتري منه صرّة قات! هذا البائع لا يكذب؛ لا شكّ أنّه جادٌّ وصادقٌ وأمين.

سألته عن السعر، فأجاب. لكنّ الثمن الذي ذكره كان قطعةً من جحيم. وما إن لاحظ انقباضي، حتى عاد يفيض في مديح قاته، ويُطنب في تفاصيل شرائه وما يجرّه عليه من نفقات؛ فبدا لي أنّ ربحه إمّا ضئيلٌ أو معدوم، وربما أدركته خسارةٌ ونكبة. تعاطفتُ معه، بل وجدتُني أنحاز إليه ضدّ نفسي.

بدا لي أنّ تعبَ البائع يستحقّ أكثر ممّا قال، فدفعتُ له فوق ما طلب، بعد أن منحتُه ثقتي وتوكّلتُ على الله. تغاضيتُ عن أخذ باقي النقود إكرامًا لجهده الذي استدرّ تعاطفي الجمّ، وقد ملأتني الطمأنينة بأنني اشتريتُ أيضًا أجود قاتٍ في السوق لصديقي المطري، الذي يستحقّ كلَّ غالٍ.

***

عدتُ من المقوَت إلى البيت في غِبطةٍ وانتشاء. بدوتُ أمام نفسي كفارسٍ تجاوز خسارته بكسب المعركة. كنتُ، وأنا أتأبّط صرّة القات وأُسرع إلى البيت، أشبهَ بجنرالٍ عاد من الحرب منتصرًا، يحمل إكليلَ الغار.

حدّثتُ نفسي قائلًا:

— ضيفي المطري خبيرٌ في القات، ولا شكّ أنّه سيشعر بامتنانٍ كبيرٍ نحوي. أنا متيقّنٌ أنّه سيُثني على القات، ويُطري ذوقي وحذاقتي في اختياره. سيعجبه أنّني، على قلّة معرفتي بالقات، استطعتُ أن أبتاع أجوده، ذاك الذي سيُطربه ويُرضي ولعته. وربّما يظنّ أنّني استعنتُ بصديقٍ في شرائه، لكنّه سيتفاجأ حين أؤكّد له، بثقة، أنّني أنا من اشتريتُ القات بنفسي، لا أحدَ غيري.

في طريق عودتي، ابتعتُ سمكًا وفاكهةً، واستحثثتُ الخُطى لإعداد المائدة والاتصال بـ«المطري» لتعجيل قدومه. وما هي إلّا ساعةٌ حتى حلّ الضيف، فاستقبلتُه بحفاوةٍ تليق به: «يا مرحبًا، على الرأس والعين!».

وضعتُ بين يديه مأدبةً قوامُها الأرزّ والسمك، ثم أتبعناهما بفاكهةٍ شهيةٍ كانت مِسك الختام. ظننتُ حينها أنّني بلغتُ ذروة القِرى، وأديتُ واجب الضيافة على أتمّ وجه، لا سيّما والمائدة تفيض عن الحاجة. ولم أكن أدرك آنذاك أنّ «السَّلتة» أو «الفَحسة» — أو على الأقل «العصيد» — هي القِبلة التي تشخص إليها أبصار الضيوف ليطيب لهم بعدها مَقِيلٌ أو يهنأَ قات.

كنتُ أظنّ أنّ هذا الغداء «العدنيّ» هو أقصى حدود الجود، غير أنّني لمحتُ على الضيف حالًا غامضةً ما إن فُرغ من الفاكهة؛ لم أفهم كُنهها تمامًا، لكنّني أحسستُ أنّ شيئًا ما كان يُعالجُه من داخله، ويُعجّله إلى الخروج.

حاولتُ أن أفرد القات أمامه لأعطيه قسمه، لكنّه ما إن لمح الصرّة من بُعد أمتار، حتى نهض من مجلسه كزرافة، يرمق القات من علٍ بنظرةٍ غامضة لم أخلُ من حيرتها. ثم استأذنني للخروج مدّةَ ربع ساعة، بحجّة أنّه سيذهب إلى صاحب المنجرة القريبة ليسدَّ دينًا عليه، وقد وعده أن يمرّ به بعد الظهر للسداد.

استدركتُ فقلتُ له ألّا يتأخّر، غير أنّ ضيفي عاد بعد أكثر من ساعة، متأبّطًا قاتًا طويلًا، كأنّه مدفعُ هاون، يحمله في رديفه الذي كان، قبل قليل، معطوفًا على كتفه بأناقةٍ، ومسدلًا على ظهره بانسياب.

صرختُ فيه مستغربًا:

— كيف تشتري القات، وأنا قد اشتريتُ لي ولك؟!

فردّ ساخرًا، بسخريةٍ مفخّخةٍ بالخجل والجرأة:

— شفت النسوان اللي يبعن اللحوح في الحَصَبة، عند باب سوق الشيخ عبد الله؟

أجبته: ايوه.

قال: هنّ يخزِّنَّ من هذا القات الذي اشتريتَه.

صدمتني فجاجةُ ضيفي ومصارحته الفاقعة، وحاولتُ أن ألتمس له العذر، إمّا لصدقه الجارح أو لتصالحه مع ذاته. ومع ذلك، غمرني حرجٌ شديد، وخجلٌ أثقل صدري وطأةً.

تفاجأتُ أكثر حين كزَّ أسنانه، وأخبرني أنّه تغدّى أيضًا في الخارج مرّةً ثانية، لأنّ ما قدّمتُه له لا يُعدّ غداء. شعرتُ بالحياء يأكل وجهي، بل كاد يبتلعني من رأسي إلى أخمص قدمي، وتمنّيتُ لو تعصف بي عاصفةٌ إلى خلف الأرض، أو أن تُخسف بي إلى غيهبٍ بعيد.

حاولتُ بعد ذلك إقناعه بأنّ القات الذي اشتريتُه «غيلي» ممتازٌ لا يعلوه عيب، وفتحتُ صرّته بثقةٍ لأستعرضه أمامه وأُثبت ما أقول؛ فإذا بي أرى تفاصيل لم أنتبه لها من قبل، وكأنني لم أشترِ قاتًا، بل خرابة! كان الغشّ فاحشًا تحت ما بدا من ظاهر الورق.

أخذ ضيفي القات من يدي، ورماه بعيدًا، ثم قسّم قاتَه بيننا، وحلف بالطلاق ألّا أُخزّن إلّا منه.

يومها شعرتُ أنّ وقعتي سوداء، لا يبيّضها في صنعاء أيُّ غفران. وعدتُ نفسي ألّا أكرّرها أبدًا، وحلفتُ ألّا أعزم مخلوقًا بعد ذلك اليوم، لا على غداءٍ ولا على قات؛ غير أنّ الأقدار سخرت من عزيمتي، وتكرّر بعدها ما هو أسوأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى